رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2200

صندوق النقد الدولي: تأثيرات المديونية علي البلدان المستوردة للنفط

الاثنين - 13 ايار( مايو ) 2019

فؤاد الصباغ*

 يشهد الاقتصاد العالمي خلال أواخر هذه العشرية تباطؤ نمو إقتصادي ملحوظ نتيجة لتراكم العديد من المشاكل الجذرية و العميقة خاصة منها تدهور الأوضاع الإقتصادية و تصاعد الإحتجاجات الشعبية تذمرا و سخطا علي تدهور أوضاعها الإجتماعية الإجمالية. و لعل في هذا الصدد الذي يمكن التركيز عليه هو إنعكاسات مجمل تلك الأحداث السلبية علي بلدان الأسواق الصاعدة و التي هي في أغلبها مستوردة للنفط و تعاني بدورها من مديونية متزايدة و متواصلة. إن تلك الأحداث الجارية حديثا تبشر بإنكماش إقتصادي عالمي تليه مرحلة من الركود أو أزمة حادة تؤدي بالجميع إلي الهاوية نظرا للعجز في الميزانية و تفاقم المديونية و إرتفاع أسعار المحروقات و الأدهي و الأمر في ذلك هو إنهيار عملاتها المحلية مقابل سلة العملات الأجنبية مما ستؤدي بالنتيجة إلي كارثة حقيقية علي مستوي الميزان التجاري نظرا لتزيد عجزه و شلله التام. فالإقتصاديات الوطنية لأغلب الدول المستوردة للنفط نذكر منها بالأساس بلدان شمال إفريقيا و بعض الدول العربية الأخري ستتأثر أوضاعها الداخلية مباشرة بالمتغيرات العالمية و الأحداث الإقتصادية العالمية نظرا لإرتفاع الأسعار للمحروقات و تباطؤ النمو الإقتصادي العالمي.

الإحتجاجات الشعبية و تعطل الإنتاجية.

إن المؤشرات الإقتصادية الصادرة من قبل خبراء صندوق النقد الدولي حول مدي تأثيرات الإحتجاجات الشعبية علي الأوضاع الإقتصادية العالمية الحالية خاصة منها عبر تسببها مباشرة في تعطل الإنتاجية و الإضرار بتلك الإقتصاديات الهشة بطبها و التي تعاني من تراكم للعديد من المشاكل الهيكلية و المؤسساتية و غياب للحوكمة الرشيدة. إن الدول المستورة للنفط و هي بالأساس بعض بلدان شمال إفريقيا و بعض الدول العربية الأخري مازالت تعاني بدورها من عديد العوائق و الصعوبات الداخلية منها تأثيرات بما يسمي بالربيع العربي علي أوضاعها الإقتصادية و الإجتماعية. فتلك الإحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين الظروف المعيشية خاصة منها الزيادة في الأجور و تحقيق المعادلة بين العرض و الطلب و تخفيض الأسعار في الأسواق من أجل ضمان مقدرة شرائية مستقرة لم تكن في مجملها ذات جدوي عملية و فعالية كبري تذكر منها علي مستوي تحسين الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية. بالنتيجة كانت نتائجها كارثية عبر تواصل الإعتصامات الفوضوية إلي حد الآن بحيث تسببت في تعطيل الإنتاجية و إلحاق أضرار إقتصادية فادحة و خسائر مالية كبري بالميزانية العمومية لتلك البلدان. بالإضافة إلي ذلك ساهمت عملية تعطيل الإنتاجية و الإحتجاجات الشعبية المتواصلة و المستمرة خاصة منها في دولة السودان حاليا و بعض الدول الأخري في تباطؤ النمو الإقتصادي بشكل ملحوظ مما تسبب بدوره في تقليص فرص الشغل و إرتفاع الأسعار و تدهور مؤشر الإستثمار مع تزايد كارثي لمعدل المديونية التي تجاوزت الخط الأحمر المحدد من قبل صندوق النقد الدولي. بالتالي ساهمت تلك العوامل الفوضوية في تأزم الوضع الإقتصادي و لو أنها كانت إستحقاقية بإعتبارها مطالب شرعية لأغلب الفئات المتضررة منها الفقيرة و المحرومة أو المعطلة و المسلوبة إرادتها و حرياتها الفردية.

إرتفاع المديونية وتباطؤ النمو الإقتصادي

تعتبر المديونية من أهم العوامل السلبية التي تعيق إزدهار و إستقرار الشعوب بحيث تعيق رفاهيتها و ترهنها للإملاءات الأجنبية و خاصة منها لمؤسسات البريتن وودز مثل البنك الدولي و صندوق النقد الدولي. فالتحرر المالي و الإندماج في منظومة العولمة الإقتصادية و المالية ساهم في تعميق الجرح الإقتصادي الذي ينزف بطبعه نتيجة لتراكم الأزمات الداخلية علي مستوي عجزه في الميزانية أو لعدم تحقيقه للإنتاجية المرضية مع تراكم لهشاشة مؤسساته الوطنية و تقلص لبيئة إستثماراته في القطاع الخاص. فمجمل تلك المشاكل المؤسساتية خاصة منها علي مستوي الهشاشة المالية و المصرفية و عدم القدرة التنافسية المحلية لتلك البلدان علي مجابهة المنافسة العالمية مع عدم نجاعة إصلاحاتها الهيكلية في إطار ما يسمي ببرنامج التأهيل الشامل الذي تحول إلي تدمير شامل لأوضاعها الإقتصادية و الإجتماعية بحيث ساهم في إرتهانها لتلك المؤسسات التي أصبحت شعوبها غارقة في مستنقع الديون للأجيال و الأجيال القادمة. فالمشكلة ليست في المؤسسات المالية المقرضة لأن دورها معروف عالميا و هو الحفاظ علي الإستقرار المالي العالمي, بل المشكلة تكمن في السياسات الإقتصادية الفاشلة لتلك البلدان التي ذهبت بمفردها للإقتراض العشوائي لإستخلاص ديون سابقة أو لصرف رواتب الموظفين في القطاع العمومي وللمتقاعدين المتراكمة في ظل عجزها التام علي تحقيق إصلاح ناجح و ناجع للقطاع الخاص أو لتحفيز مناخ الإستثمارات و المبادلات التجارية خاصة منها علي مستوي الصادرات و تحقيق الإنتاجية الكافية و المطلوبة و تقليص عجزها في الميزانية و الحفاظ علي عملة محلية قوية و مستقرة. أما التأثيرات العميقة و السلبية لتلك البلدان المستوردة للنفط تكمن بالأساس في عجزها علي إستيراد تلك الطاقة بالعملة الأجنبية نظرا لإرتفاع أسعارها و إنهيار عملاتها من جهة وتراكم الإحتجاجات الشعبية المطالبة بتقليص تلك الزيادة المهولة في الأسعار و إثقال كاهل تلك الطبقات الفقيرة بأعباء مالية إضافية من جهة أخري. فإلي جانب ذلك لم تقتصر تلك المشكلة الإقتصادية الحقيقية علي مستوي إرتفاع المديونية بذلك الشكل الرهيب و الغريب و لإرتفاع أسعار المحروقات بل كانت لإنخفاض نسب النمو الإقتصادي وكبح التنمية وهروب بعض المستثمرين الأجانب نتيجة لعدم الإستقرار الإجتماعي في مجمله الجانب الكبير لتراكم تلك الأزمات. أيضا و الأهم في كل ذلك هو إنهيار أغلب العملات المحلية لتلك البلدان مقابل سلة العملات الأجنبية و خاصة منها مقابل العملات الرئيسية كالدولار و اليورو المعتمدة من قبل البنوك المركزية كإحتياطي رئيسي وعملات رسمية للمبادلات التجارية. إذا ساهمت كل تلك العوامل منها تفاقم المديونية و تباطؤ النمو الإقتصادي وارتفاع أسعار المحروقات مع تزايد الاحتجاجات الشعبية في الدخول تلك البلدان في دوامة أزمات بدأت بوادرها تتشكل مؤخرا عبر الانكماش علي مستوي النمو الإقتصادي الواهن و كبح الإستثمار و التنمية. بالنتيجة ستؤدي تلك الإضطرابات المالية في الأسواق إلي ركود طويل الأمد أو إلي أزمة إقتصادية حادة ستتضرر منها بالأساس تلك البلدان المستهلكة للمحروقات و التي تشهد تراكم متزايد و متواصل للأزمات الاجتماعية أو للاحتجاجات الشعبية.

* كاتب باحث اقتصادي ـ تونس

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي