رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2200

الرواية والأمة.. مقتطفات من كتاب للناقد البريطاني باتريك باريندير

الأربعاء - 15 ايار( مايو ) 2019

 

العالم/ خاص

في عام 2001 وصلت رواية (الكفارة) لماك إيوان إلى قائمة البوكر القصيرة. وقد بدأت بفقرة لجين أوستين، ورد فيها: (تذكر أننا إنكليز...)، وبمدخل مطول يصف حفلة في بيت ريفي يعود طرازه لفترة الثلاثينات. هكذا بدأت قصة طفولة وشباب روائي إنكليزي- روائي من جيل سابق على ماك إيوان. وتتابع رواية (الكفارة) أحداثها حتى لحظة الانسحاب من دانكيرك عام 1940 ووصول المصابين إلى مستشفى القديس توماس في لندن. وبغض النظر عن خاتمة مختصرة مؤرخة في لندن / 1999 كل الأحداث جرت قبيل ولادة ماك إيوان عام 1948.

لم يجد النقاد شيئا غير معتاد في هذه الرؤية للخلف. لقد أصبح البناء التاريخي صفة منتظمة من صفات السرد الإنكليزي في أواخر القرن العشرين، حتى أن (الكفارة) لم تصنف بشكل عام في صنف الروايات التاريخية. وباستثناء القليل من الأغراب الذين قابلهم الجنود البريطانيون قرب دانكرك وتفهموهم، كل شخصيات ماك إيوان من الإنكليز. نشرت (الكفارة) في وقت كانت فيه المركزية الإنكليزية المكتفية بوعيها الذاتي في السرد (ضمنا عدد من الروايات تحمل في عنوانها كلمة "إنكليزي" أو "إنكلترا") قد عادت للظهور. وكان ماك إيوان مهتما بالمشكلة الطبقية التي أثرت بالمجتمع الإنكليزي، وبالمقارنة بين العالم الخاص لسلوك الطبقة العليا، والجماهير الغفيرة المتجمعة في مؤسساتها مثل الجيش والمستشفى. وقد صور دانكيرك وما جرى بعدها على أنها مرحلة تأزم وطني أحاط بمعظم الشخصيات. وواحدة من أكثر الاعترافات مباشرة في (الكفارة) كانت عن التبدل الملحوظ الذي لحق، على التوالي، بالمجتمع، ومن ذلك معلومة تجريدية عن عام 1999 أشارت لتحويل المساحات المفتوحة من البيت الريفي إلى فندق. ومن المفترض أن يختار عمال الفندق من بين فئة المهاجرين إلى بريطانيا، ولكن لم يكن ذلك ضمن اهتمام الروائي. لكن في مرثية لموت الروائي الأمريكي سول بيلو الذي توفي عام 2005 كتب ماك إيوان يقول: "في بريطانيا لا يبدو أننا نكتب عن تشوهات وجمود الطبقات - أو، أننا لا نستطيع أن نفعل ذلك بشفافية كافية، دون أن نقوض المعنى المرجوة أو نقلل منه". وأيضا إنه في نصف القرن السابق على نشر (الكفارة) أصبح معظم السرد الإنكليزي المعروف ينظر إلى الداخل. وانصب اهتمامه على استعادة تقاليد الرواية القديمة، وكذلك على الماضي الوطني. وما أصبح معروفا باسم "ما بعد السرد التاريخي" قدم للرومانس التاريخي ما يشبه تعليقات انعكاسية تتناول طبيعة السرد والتاريخ، وبالعادة بروح تميل للهزء. فالجو التاريخي الموجود في (مكان بين الفصول) لفرجينيا وولف كان سباقا ومبكرا بهذا المعنى، وأصبح علامة من علامات السرد المفضل عند القراء، وعلى سبيل المثال أذكر (امرأة الضابط الفرنسي -  1969) لجون فاولز والساغا العائلية (أرض المياه – 1983) لغراهام سويفت.

ولكن الرواية ليست بحاجة للعودة إلى الماضي لتتأمله بأعصاب باردة. إن عددا من سرديات الحياة المعاصرة تعيد انتاج الأجواء المألوفة لـ "رواية الأرض الإنكليزية" مثل البيت الريفي، أو لتكرر بنية حبكة الروايات الإنكليزية الكلاسيكية، أو تتوهم علنا التقاليد السابقة. إن روائيين مثل فاولز وماك إيوان وسويفت قد أنتجوا ما بدأ يعرف باسم "السرد الأدبي" وهو معاكس للروايات ذات البنية الشعبية ورواية المغامرات (الرومانس). وإن الكتب زهيدة الثمن والأفلام والتلفزيون والمسرحيات الإذاعية وحقوق التأليف المبسطة هي التي سهلت نجاح السرد الأدبي على مستوى عالمي، وجعلته اليوم مربحا كما كان في السابق. وكتاب الرواية الأدبية المحدثون يحملون غالبا ثقافة أدبية، وعدد كبير منهم بدأ حياته، أو أصبح لاحقا، مدرسا للأدب أو الكتابة الإبداعية. وترافق ذلك مع توسيع نسبة القراء الذين يدرسون الأدب أو العلوم الإنسانية. وليس من المستغرب، أنه هناك مزاعم تفيد أن مناخ " التعلم" و"دروس الماضي" هي التي تمهد الطريق لمزيد من انتاج الروايات. الروائية أ. س. بايات، وهي متكلمة ذكية عن المشهد المعاصر، ناقشت العلاقة الشائكة بين الروائيين الإنكليز المحدثين وبين التقاليد وذلك في مقالتها "الصحافيونPeople in Paper Houses "- 1997. ووصلت للنتيجة التالية: "لتكون كاتبا جيدا، مهما كانت أدواتك، أنت بحاجة لموهبة الفضول والنهم فيما يتعلق بأمور من خارج الأدب". ولكن ليس من السهل تجنب العوامل الأدبية، ولدينا هنا كمثال كنغسلي إيميس، والذي ذاع صيته مع نجاح روايته (جيم المحظوظ – 1954)، وهي كوميديا عن المدينة الجامعية وكان البطل فيها محاضرا متمردا يعمل في مجال التاريخ القروسطي. إن شهرة إيميس كانت معاكسة للحياة الأكاديمية ومعادية لما يسميه وعي الذات بالأدب. فهو من أشهر أدباء الخيال العلمي والأشكال الشعبية الأخرى، وقد كتب يقول في مقدمة كتاب (العصر الذهبي للخيال العلمي – 1981): "إن وعي الذات الأدبية يعني أن هدفك، لنقل، ليس في الإخبار عن الحكاية بقدر الإمكان، ولكنه في تضمين إضافات تفرضها رغبات وتوقعات الآخرين. والعلاقة القوية والحساسة بين الروائيين والأكاديميين تعني أن الروائيين يكتبون من أجل الأكاديميين، ولكن ليس من أجل العموم... وهذا يضعف الارتباط مع جماهير القراء". عمل إيميس بالتدريس قبل أن يكون روائيا مشهورا لعدة سنوات في كلية جامعية في سوانزي، ثم في كامبريدج. أما فيليب لاركين، الشاعر والروائي سابقا فقد كان يعمل في مكتبة جامعة هال، وكلاهما ربطتهما صداقة قوية. لكن ابتعد إيميس عن عقد صداقات قريبة وحميمة مع الأكاديميين، فقد اعتبرهم، تقريبا، طفيليات تنمو على حساب الفنان المبدع؛ غير أن رواياته عميقة الصلة بالأدب الأصيل وشخصياته أحيانا من بين القراء الجادين. وروايته (خذ فتاة مثلك، 1960)، وهي من أكثر أعماله المبكرة طموحا، عبارة عن إعادة كتابة واعية لرواية "الغواية" التي وضعها ريشاردسون. فالبطلة، وهي جيني بون، معلمة مدرسة. أما الخليع باتريك ستانديش فهو محاضر في الجامعة. وتجنب جيني نفسها مخاطر أول محاولة إغواء قام بها باتريك. حتى أنها تقول له علنا:"لقد قرأت أخبارك في الكتب". والإغواء هنا يضعها في شريحة مختلفة عن البطلة الفكتورية غير المتعلمة التي تشابه هيتي سوريل في عمل إليوت. ولكنها في النهاية تفقد عذريتها. إن النهاية المرحة للرواية تصور الإثنين قبل الزواج وهما بغاية السعادة، ومتفقان أن "تلك الأفكار الإنجيلية القديمة تترنح الآن".

ويتورط باتريك وجيني في سلسلة من التضادات البيوريتانية - الارتباط بزوج واحد مقابل الحيوية الجنسية، الريف الشمالي مقابل المدينة الجنوبية، الأخلاق الحميدة مقابل التهتك، إلخ- وهكذا من الطبيعي أن لا يقاوم أحدهما غواية الآخر. ولذلك إن المشكلة العاطفية والرومنسية التي تميز بواكير الرواية الإنكليزية قد مهدت الطريق لمحاكاة أدبية مسلية وغنية. لكن لم تكن كتابات الروائيين الإنكليز فقط عن شخصيات إنكليزية هي التي شعرت بالضرورة الماسة لإعادة كتابة التقاليد الإنكليزية. فرواية فدائيون (1975) لـ ف. س. نيبول، على سبيل المثال، تصور شخصية هيثكليف جديد - باعتبار أنه خضع لدورة في الكتابة الإبداعية ودرس مرتفعات وذرينغ- وهذه الشخصية تعمل على تشكيل جماعة زراعية كاريبية سيسميها الكاتب لاحقا بيوتات ثراش كروس .

وآسيا، بطلة رواية (في عين الشمس -1992) للروائية المولودة في مصر أهداف سويف، هي ابنة امرأة إنكليزية تعمل برتبة أستاذ في القاهرة. وعندما تأتي إلى إنكلترا لتكتب أطروحة الدكتوراة في جامعة ريفية في الشمال، ترى نفسها كوريثة لشخصيات جورج إليوت وشارلوت برونتي. لقد أقامت علاقة مع إنكليزي شرير، هو جيرالد ستون، والذي يدل اسمه على برود عاطفته كما هو متوقع في أي ميلودراما فكتورية. أما آسيا، المتزوجة، فتدرك أنها ابتعدت عن التقاليد الإنكليزية لتنضم إلى عالم شخصيات تولستوي وفلوبير ولا سيما حينما بدأت علاقتها الغرامية مع جيرالد- ولكن لم تتمكن من تطهير نفسها تماما من إرث ماغي توليفر ودوروثا بروك. ولأنها زانية، تقول لنفسها: "أنت الآن في صف آنا وإيما وانفصلت للأبد عن دورثيا وماغي- ولكن يمكن لدورثيا أن تستوعب ما يجري - أليس كذلك؟".

(في عين الشمس) ليست رواية عن الهجرة، لأن آسيا تعود بعد الدكتوراة إلى مصر لتدريس الأدب للجيل الجديد من الطلبة، وبينهم الأصوليون الإسلاميون الذين أعلنوا أن هدفهم هو تعلم "لغة العدو". تتابع سويف بسردها فترة تفكيك الاستعمار في الشرق الأوسط، ومنها فترة نظام ناصر، وغزو القناة، ومعجزة النفط، وحروب العرب مع إسرائيل. وكان المحرض لأم آسيا كي تدرس الأدب الإنكليزي هو مشهد النساء البريطانيات المتطوعات لقيادة شاحنات لصالح الجيش البريطاني في القاهرة أثناء الحرب العالمية الثانية. وكانت تلك مرحلة تاريخية عابرة، ويمكننا أن نقول إن عوالم "ما بعد الاستعمار / فترة الاستقلال" هي التي طورت حب وتعلق الابنة بالرواية الإنكليزية، ثم اكتشاف ذاتها وتطابقها مع شخصياتها. إن أدبية الرواية الإنكليزية الحالية يمكن أن تكون أيضا ظاهرة موقتة بشكل حصري. فهي بالنسبة للعديد من الكتاب والنقاد قد ارتبطت مع ما بعد الحداثة، وهو أسلوب عابر للحدود أثر بكل أنواع الفنون وسيطر على النظريات الثقافية واتجاهات النقد منذ 1970 وما بعد.

ترجمة: صالح الرزوق/ حلب

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي