رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2220

قراءة في رواية "الفطحل" للدكتور زهير ياسين شليبة

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019

جمال جودة*

 

تدور أحداث هذه الرواية حول شخصية الفطحل وإدعاءاته ومغامراته وفضائحه في الوطن وفي المهجر. وهي شخصية بلهاء وصولية تعيش في عالم من الأوهام حول عبقريتها المزعومة، ولهذا أصبحت بؤرة النميمة لدى عراقيي الخارج. للفطحل هذا أسماء مستعارة كثيرة تختلف حسب مزاجه وتقلباته وأفضلها كان غوني الملاخ! يترك الفطحل المدرسة ليتفرغ لشعره، يهاجر مع زوجته العراقية الى بلغاريا ليطلقها ويتزوج من بلغارية، فيسارع الى ترجمة بعض القصائد البلغارية دون اي علم بلغتها الأصليه أو تاريخ أدبها، ثم يطلق زوجته الثانية مهاجرا هذه المرة الى شمال أوروبا ليبدأ سلسلة جديدة من الإدعاءات والفتوحات الخيالية، وعند بداية الغزو الأمريكي للعراق يحاول الفطحل أن يقحم نفسه في الحرب بصفته "معارض عراقي وكاتب من المنفى، ممثل البرلمان العراقي في الشمال الأوروبي"، وينتهي به الأمر في مصير مجهول، إذ تكثر الإشاعات حوله فمنهم من يقول إنه أُغتُصبَ وأهين، ومنهم من ادعى أن صديقته البولندية أنقذته وأنه الآن يعيش في بولندا، الخ. مصير الفطحل مجهول. ولعله من الطريف والمفيد أن الأديب العراقي المعروف عدنان المبارك نشرقصة بعنوان تقلبات الفطحل، هي عبارة عن تشخيص لما آلت له حياة هذا المدّعي الصغير حيث يعمل خادما في إحدى قرى البصرة ويتعرض لمختلف أنواع الإساءة! أنظر موقع القصة العراقية.

والفطحل هذا ينشد الإستحسان والشفقة من الآخرين، فيدعي مثلا أن أهله هلكوا جميعا في العراق الدكتاتوري، بما في ذلك أمه التي كانت حية ترزق، فاصطنع قصة من المعاناة والأسى التي قد تناسب صورة الشاعرالمرهف الإحساس الذي عانى الأمرّين والذي يتكلم عن معاناة عميقة، والطامة الكبرى أنه يصدق كذبته. ورغم هذا كله شعرت أكثر من مرة بالأسف تجاه هذا المسكين الأبله "على قد نيته"، كلما سمح لي الراوي بالدخول الى مجالس النميمة، حيث يجتمع عراقيو المهجر وبعض العرب ممن يعيشون على برامج المساعدة الأوروبية، لاينفكون عن السخرية منه ونهش لحمه حيا، فموضوع "الفطحل" مٌسكِّن للآلام يشفي غليل فشلهم وألم غربتهم، والأنكى من هذا كله أن لهؤلاء آراءَهم النقدية والفنية الخاصة بهم! إن ردود فعلهم على سفاهة الفطحل هي الجزء الأكبر من المشكلة! بل يمكن القول إن الناس من حوله هم من يزيدون شأنه، ولا يقلون عنه جهلاً.

من عادتي أن أفكّر في التأثير الكلي نفسيا وفكريا لأي كتاب بعد قرائته مرة أو مرتين، وهذا التفكير بحد ذاته جهد أو عمل نقدي له شرعيته ولايحتاج لأي تبرير، و"الفطحل" كتاب يستحق التفكير لتأثيره الغريب علي، فكما سبق بيانه إختلطت المشاعر بين الاستهزاء والسخرية من جهة، والشفقة والألم من ناحية أخرى، وبين الإفراط بالضحك والتهكم من شخصية هي في الحقيقة مسكينة لاتضر ولاتنفع، عدا عن أن عنصر التشويق لم يختفِ ولو لحظة!

هناك الكثير من الجوانب المهمة في الكتاب التي استحوذت على انتباهي كدور الأحلام مثلا والتي لاتقتصر أهميتها على الأسلوب السردي من ناحية تقنية، بل يتعداها الى الجانب الرمزي أيضا، إضافة الى علاقة الراوي بالفطحل والشكل الأدبي، هي كذلك جوانب مثيرة للإهتمام في هذه الرواية التي يصر كاتبها أن يصنفها كمحاكاة. ولايمكنني أن أعطي كل هذه الجوانب حقها في هذا المقال، ولهذا سأركز أولا هنا على المسألة الأكثر إلحاحا بالنسبة لي شخصيا وهي الشكل الأدبي في المقام الأول ومن ثمة شخصية الفطحل نفسه.

- العام والخاص:

هناك في رأيي ازدواجية مهمة في شخصية الفطحل التي نجح الكاتب في بنائها، وتلك هي ثنائية العام والخاص. لقد نجح المؤلف في بناء شخصية مركبة، أو بعبارة أخرى، "عامة" يعرفها الكثير من الناس في المهجر والوطن. أي أن الفطحل هذا يوحي بنزعة يعرفها الكثير من القراء في العالم العربي، فهو يشير ويذكر القارئ بتلك النزعة، فشعوره بأن الفطحل نوعية أو صنف من الناس قد مرً عليه سابقا يزيد من حيويته على الرغم من فرديته. فكم تذكرت فلاناً وعلاناً من أيام الدراسة في المدرسة الإبتدائية والثانوية، وكم تذكرت أشخاصا قابلتهم في الجامعة والمهجر بين العرب، حيث يزدحم الفطاحلة من كل مذهب ومشرب، من الفطحل "الإسلامي" الذي لايتوقف عند تكفير داروين ونظريته دون أن يقرأ سطرا واحدا في الكتاب المشؤوم بنفسه فيعمل فكره فيه، إلى "الماركسي" الذي يتحدث عن ماركس وإنجلز صباحا مساء دون أن يقرأ أي كتاب لهما، وإلى الفطحل الأدبي الذي لم يكتشفه أحد، إلى الناقد "العبقري" الذي يشتم إمرأ القيس "المنحط" دون أن يقرأ معلقته وهلم جرا!

يمكن القول إن الفطحل في هذه الرواية  تشخيص أدبي لحالة أو أزمة نفسية وعقلية أصابت أكثر من جيل في العالم العربي، تعود بدايتها إلى خلل أساسي في النهضة العربية الحديثة.

أرفض اختزال النص الأدبي في نية الكاتب، حيث يبرز المعنى من تفاعل القارئ مع النص، ولهذا تختلف القراءات والمعاني. بكلمات أخرى، لايهمنا هنا فيما إذا كان الفطحل شخصا "حقيقيا" مستمدا من حياة الكاتب أو العكس. المهم هنا هو الإزدواجية بين فردية الفطحل كشخصية أدبية عراقية محددة من جهة، وعموميته من حيث هو ظاهرة إجتماعية بامتياز. وهنا تكمن في رأيي فاعلية هذه الشخصية الأدبية، فهي في المقام الأول محددة وفريدة، وليست شخصا "حقيقيا" بدَّل الكاتب اسمه ب"غوني الملاخ". لكنه أحد أعراض "المرض العربي" المزمن إن صح التعبير، وهو ما سأوضحه لاحقا. أظن إن أغلب القراء العرب سيشعرون أنهم قابلوا أو مروا على هذه "النوعية" في حياتهم أكثر من مرة. وهنا تكمن الإزدواجية  أو أوجه الشبه بين الشخصية "العراقية" ذات الأسم والهوية المحددتين من جهة والتشخيصية العامة التي تطال وتصور أكثر من شخص أو "نوعية" في أغلب أنحاء العالم العربي. أشعر أن هذا التشخيص العام هو السبب الرئيس خلف ضحكي المستمر، إذ عرفت هذه "النوعية" وتفاعلت كقارىء معها أو الحالة المرضية ومع كيفية تعامل الآخرين معها.

- " عروبة " الفطحل

 

وتُعد الظاهرة الفطحلية أو الفطحليزم كما يحلو للكاتب ان يسميها ساخراً مرضا مزمنا في البلاد العربية. إنها ظاهرة عربية بإمتياز حيث لدينا العديد من المدّعين ممن يريدون أن يكونوا مفكرين وفلاسفة وقادة سياسيين عباقرة باي ثمن. وأود أن أشدد هنا على "عروبة" الفطحل حتى النخاع! يشدد ويؤكد بعض النقاد على "عراقية" النص من حيث اللغة وشخصية الفطحل ذاته، وصحيح أن لغة النص عراقية أحيانا وأن عددا من الأمثال الشعبية أو التشبيهات استعصت علي كقارىء فلسطيني، لكن لابد في رأيي المتواضع من التأكيد على عروبة الفطحل التي أثرت في قرائتي للكتاب رغم عدم "عراقيتي". إن تفاعلي الحي مع النص ومع شخصيته الرئيسة وفهمي لمعضلات الإنسان العراقي فيه رغم الفارق بيني وبينه دليلٌ يؤكد انتشار هذه الظاهرة.

 غوني الملاخ "الطايح الحظ"، "ذو العين الكريمة" مصاب بمرض "الفطحلة" هذا في الميدانين السياسي والأدبي، همه الأول والأخير النجومية والشهرة باي ثمن كان، فهو إذ لم يتمكن من تحقيق هذا كله كأديب فذ، إنقلب الى السياسة منتهزا فرصة الإجتياح الأمريكي للعراق. ولا أعرف بالتحديد أسباب انتشار هذه الظاهرة في العالم العربي، لكن يبدو لي من حيث المبدأ أنها نتيجة تشابه الظروف فيه.

يبدو لي أن جذور "الفطحلة" أو الوصولية السياسية تعود الى الإختراق الغربي للعالم العربي خصوصا عقب انهيار الإتحاد السوفيتي التي تمثلت بسلسلة أحداث متشابهة مثل الإجتياح الأمريكي للعراق، اتفاقية أوسلو وسياسة الإنفتاح في مصر، فكثرت المشاريع الديموقراطية السطحية التي تمولها الدول المانحة، وتفجر عدد "الخبراء" الذين صاروا يجيدون اللغة السياسية "المربحة" التي أضحت تجارة.

يتبع..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي