رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2220

الفنان حين يكفيه انعكاس الواقع

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019

العالم/ خاص

في الخارج يهطل مطر مدرارا، لعلك تنتبه، بعد خطوتين يهب عصف يحتضنني قويا، يعبث يرفع فستاني الوردي عاليا، يتغلغل في ثنايا جسدي المبروم.. يفتت بقايا مقاومته.. يستمر مشوار الحب.. أتقلب من واقع إلى واقع.. شكرا أيها العصف.. انحني أمام جبروتك.. لطفك.. طيبتك.. لم أعد متوحدة.. أجده.. أحبه.. يحبني.. ليلتنا خالدة..

يتبدد العصف عني.. يودعني يربت خدي .. رغم الفرح تفز دموع.. تنهمر.. أشجار تتمايل، أوراق صفراء تتراقص على أغصانها الطويلة محاولة عبثا البقاء صامدة، تحسد تلك دائمة الخضراء.. ما أطيب حظكن.. ليس عليكن الرحيل مثلنا نحن عابرات المواسم.. تتأرجح ذؤابات أغصان الأوراق الخضراء في غطرسة.. مرسلة حفيفا.. في الأبدية أيضا ليس ثمة حظ .. فقط نعيش أطول من غيرنا..

تتصايح الأوراق الصفراء.. وداعا.. وداعا أصدقاء.. تتناثر مع الريح المزمجرة كل اتجاه.. المطر ينسكب دموعا.. الأشجار تتعرى.. تتعرى.. أتطلع إلى المأساة باكية، استل سلاحي المرافق دائما من حقيبتي، قلمي، الورقة، سريعا أبدأ الرسم، الفن تدري.. وسيلة دفاع لا هجوم.. مَن يدري قد أصير يوما فنانة مشهورة مثل سيزان، سلفادور دالي، لكن لا... ليحفظني الرب.. لا مثل دالي، أبو شوارب و نظرة فنطازية، لا أحب المجانين، تدري ماذا أود قوله.. بعد ليلة حبك الجامحة أرسم الأوراق الصفراء رافضة التساقط، الموت، رغم أمانيها المشروعة تقلعها الريح، ترميها بعيدا، لوحة تجد سريعا راغبا فيها، يشتريها، معلقة حاليا في الصالة البرتقالية، أتمشى إلى هناك غالبا أتأملها أفكر: لو تحبني ليالي أخرى بعد الجامحة كم لوحة يا ترى كنت أبدع، تباع تعرض أبعد.. أبعد.. في معرض.. متحف.. بيت على بحر؟!..

أو أنت لم تحبني.. أنا واثقة من حبك لي.. قويا.. أنت طيب.. دمث الخلق.. أرى صورتك أفهم حالا: الجمال قرين الطيبة.. يسهل الإفصاح عن الحب.. تدركه من غير اعتراف.. روحي متعطشة إلى  الحب منذ أمد بعيد.. الآن سعيدة.. أجدك..

تدري، أمس ليلا في وحدتي، فراشي البارد، تأخذني الخواطر بعيدا إلى استنتاج.. النساء القويات لا وجود لهن! كل امرأة ضعيفة، تحتاج الحب، دفء الرجل. امرأة قوية، بلا حبيب، باقية وحيدة، متوحدة، من غير شهود، أعين رقيبة، يعني حزينة، تبكي أحيانا. لا تصدق التي تدعي هي امرأة قوية. أنا محظوظة، سعيدة، أجدك! أرسم بورتريتك، نعم تجمع الطيبة مع الجمال، الوسامة. بعد تلك الليلة أحبك قويا، أدهش كيف عشتُ قبلها من غيرك، من غير حبك! محظوظة مرتين منذ أحببتني جدا، أرسمك، سوف أرسمك، أصير سيزان آخر، لا سلفادور دالي، أخبرتك لماذا. اللوحة سوف تُعلَّق في متحف، تزوره تفكر: أواخ.. إنها المرأة التي أحببت.. إنما هي أحبتني أقوى.. واضح ذلك في الرسم أمامي!

 سعادة كبيرة في عثور الواحد على الثاني. لكن لماذا لم تخابرني أبدا؟! معقول لا يمكنك.. أو لا تريد رؤيتي.. ما أطيبك.. دهشتي كبيرة اليوم أرى سيارتك ينتابني فرح عارم أخمن أنت أيضا مشتاق تأتي تراني. لكن من أين تعرف أحب الجلوس في ذلك المكان لا غيره أرسم؟ في منتهى السعادة أرتمي إلى لقائك أكاد أقع تحت سيارتك، الفتاة الجالسة جوارك شقيقتك ربما؟ ما أجملها أسعدها، طبعا هي لا وحيدة لا متوحدة على غرار البعض، تنظر أنت إليّ في حنان، تلاعب أصابعك الحلوة صدغك تهتف في رقة: بلهاء! يخلو عقلك بيتك من كل شيء؟!..

حبيبي، طبعا يخلو عقلي بيتي على قول المثل..  من كل مخلوق! تنسى أعيش وحيدة تماما، لا غير أسماك عندي في حوضهن بين أربع زوايا، يشبهنني في شيء ما، أكلمهن غالبا، قبل تمددي اليوم في فراشي البارد الفارغ أراقبهن طويلا، يتسارعن من زاوية إلى أخرى، تتضارب ذيولهن يشكَون ضيق حيزهن، يبحثن عن منفذ، حرية، لا يعرفن القفز في فضاء مغلق، في قلوبهن أدمغتهن الصغيرة يتذكرن رائحة البحر،  يجمحن إليه بكل جوارحهن صادمات زجاج الحوض مع تعبهن خورهن في النهاية يتوقفن عند الزاوية قرب جمجمة إنسانية مصنعة.. منهارات تحتها.. عيونها لا ترى غير حدود الحوض.. غير مدركات أن حريتهن تبدأ  تنتهي لا أبعد من تلك الجدران. أسماك عقل فالصو.. مسكينة! أفرح عند نعتك لي بلهاء، سيزان أيضا وُصِف أبله  قبل بلوغ 51 عاما، ليس إلاّ بعدها يفهم العالم.. لقد وُلد عبقري آخر. يسعدني اعترافك تقديرك موهبتي!..

أنسى أخبرك، بورتريتك أعلقه على الجدار قرب سريري، ليس في إمكانك الهرب مني، كل يوم أتحدث إليك، أقبلك أحيانا، صباحا حين افتح عيني، مساء بعد إطفاء المصباح. لا تنسى.. نساء قويات إمبوسيبل، متوحدات نعم، أيضا تذكر.. عندما تحتضن نساءك الجميلات القبيحات ليلة أكون في سريري البارد الفارغ أحلم فيك، في عينيك، شفتيك، أكلمك، أحبك، رسمك شاخص أمامي. إلى أين تهرب! أو قد تنزل تأتي إليّ.. تنتزع نفسك من قلبي من رأسي! كل الوقت أنتظر رنينك، أنت لا تخابرني رغم ذلك. هل سافرت إلى جهة ما، لماذا لا ترفع سماعتك حين أتصل، أتعب من الانتظار أكتب إليك ترى، لكن إلى أين أرسل الرسالة، عنوانك لا معي، قد تلتقط صورة ثانية.. هل أذهب  إلى هناك..؟!..نهاية القصة

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي