رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 15 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2274

المطاردة

الخميس - 23 ايار( مايو ) 2019

 

صالح الرزوق

دلفت من أول باب مفتوح. كان البار متواضعا، يمكن أن تقول إنه خرابة، مستودع لكائنات بشرية نسيها الزمان. فالجدار بلا طلاء، والإضاءة ضعيفة، والطاولات من الخشب، لا غطاء عليها ولا هم يحزنون. لكن على كل طاولة مزهرية، وفيها وردة. ولم أتردد بالجلوس في كرسي شاغر، ولاحظت أنه قصير، حتى أن ركبتي كادت أن تنغرس في صدري. ولم أتذمر. كل ما يهمني أن أهرب منه، فقد سمعت صوت خطواته ورائي، ولم أجد الجرأة لأستفسر ماذا يريد. الإنسان في الغربة أضعف من ورقة تكنسها الرياح، ما بالك أنها غربة مضاعفة، وأقصد ظروفنا في الوقت الراهن. كان الجميع يكيل لنا اللطمات، لا تعرف من يضربك ولأي سبب، فجأة تشاهد الحقد الأسود يستهدفك بسهامه المسمومة.

...

فتشت ببصري عن نادل، أي نادل لأطلب منه كأس بيرة أغسل بها الخوف، فقد كنت أرتجف من الرعب. لم يكن لي أعداء، وكنت بغاية الانضباط، كل أوراقي رسمية، وأدفع ما يترتب علي أولا بأول. فمن يكون؟. إن لم تكن وشاية، فهو على الأغلب قد أخذني بالشبهة. يوجد لكل إنسان ظل. أنت تشعر بذلك إنما لا تسطيع أن تثبته. ولكن لم أشاهد غير الزبائن.. كهول في أرذل العمر، ويتناولون الطعام من أطباق أمامهم ويدخنون، كانوا يحرقون أصابعهم مع السجائر، وعلى وجوههم أخاديد من التعب وأثر الحياة. ولكن كان للمقهى ميزة، يجب أن أقر بذلك. كانت تغطي الجدران مرايا، على كل جدار مرآة تنقل ما يجري وراءك بحذافيره. وعند هذه الفكرة ظهرت أمامي نادلة، هل أقول حورية؟، وبيدها ورقة وقلم، وسألتني بصوت مثل عزف البيانو: ماذا تريد يا سيدي؟.

ابتسمت لها بقدر ما سمحت لي الحالة النفسية. لا شك كنت مرتبكا بوجه أصفر وقلب مرتعش. فالخوف من المطاردة يشبه الخوف من الذات. وكنت مصابا بهذا المرض، لم أكن أرتاح لنفسي، وأخشاها أكثر من الحرب التي دعتني للهجرة.

طلبت منها البيرة، فردت بصوت آسف: غير ممكن. الآن وقت العشاء. البيرة تأتي بعده.

على أية حال كنت جائعا، وكما تعلم الخوف يتلازم مع الجوع، الإثنان فريق واحد، مثل أي تناذر، يعني أحدهما يسبب الآخر. هل رأيت إنسانا جائعا لا يخشى على مستقبله؟.

سألتها: وماذا لديكم من وجبات؟.

فقدمت لي لائحة بيدها، وانتقيت أول صنف.. برتقال مطبوخ، وعصير الذرة، وحساء بالأعشاب. وأرخيت العنان لذهني. الآن الرجل الغريب يتجمد من البرد في الشارع، وربما يبحث عني بلا طائل. وسرني أن الحرارة تحت الصفر. لو أنه من بلادنا سيموت من البرد، وسأنفض يدي منه، مثلما نفضت يدي من مخاطر الحرب. تركت كل شيء ورائي وغادرت. أن تنجو بجلدك أفضل من أن تغامر في سبيل أثاث قديم وقلوب من المطاط. لقد فقدنا مشاعرنا بالتدريج، وأصبحنا جاهزين للأزمة، وها هي رحاها تدور دون أي بارقة أمل.

ما أن وضعت النادلة الأطباق أمامي، حتى انتبهت لدخول نفس الرجل من الباب، وتلاقت نظراتنا، وعاودني الارتباك، وركزت بصري بالطعام، وذهني يدور بسرعة طائرة.

قلت لنفسي: تبا له من إنسان غليظ. هل أغرس سكينة الخبز في عنقه وأنتهي منه؟. وكانت قبضتها الفضية تلمع أمامي بضوء كامد. لقد تناولتها مئات الأيدي، ويوجد عليها ألوف البصمات، وإذا أسرعت بالفرار لن يكتشف أحد أنني الفاعل، فبصمتي ستضيع بين بصمات الآخرين. ولكن لم أنفّذ في حياتي أية فكرة من هذا النوع. من يهرب من النار لا يسعه التفكير بإشعالها. وهكذا استسلمت لمصيري، وأقبلت على الصحون بشهية مفتوحة. من يدري؟. ربما هذه آخر وجبة لي.

وأثناء الوجبة نظرت للمرآة لأدرس شكله، ففي الشارع لم أكن أراه. سمعت صوته، كنت أسمعه فقط. ولاحظت أنه زري الهيئة، ومن الواضح أنه مجرم، ومفطور على القتل والتعذيب. هذا الإنسان قاتل دون شك. ولكن من أرسله ورائي ولأي سبب؟؟!!.

... 

بعد أن انتهيت من طعامي ذهبت للمغاسل، ولاحظت كيف نظر لي، وأنا أغادر الكرسي، بحذر وحرص. وهناك شاهدت عجوزا يغسل فمه، ووقفت بانتظاره، فالمغاسل مثل الحجرة الأساسية، فيها تواليت واحد، وكان بابه مفتوحا، والكرسي المرمري يلمع مثل وجوه الزبائن.  بمعنى أنه كامد وخائب وبلا بريق. أبيض مع شحوب. وكانت إسطوانة الورق فارغة، مجرد ذراع من الحديد الذي أكله الزمن، على شاكلة دباباتنا ومدافعنا في حرب حزيران، حديد معطوب ولا يقوى على الحراك. ثم شاهدت النافذة. وهنا ارتفع وجيب قلبي. هذه نافذة. ويمكن أن أهرب منها.

تركت الرجل يغسل الآن يديه، وقفزت منها، ولفحني الهواء المنعش، ولم أشعر ببرودته، لأنني كنت سعيدا بهذه المعجزة. كانت الفرحة بالحرية والخلاص أقوى من الطبيعة. هذا كل ما دارفي رأسي، وأنا أغذ خطواتي نحو نهاية الشارع.

لقد هربت منه. وفي الطريق بدأت أرتب أوراقي. كان يجب تبديل المسكن. وهذه مسألة بسيطة. سأدفع بدل السكن وأحزم حقيبتي، وأسارع للاختباء في جحر آخر. الجحور في هذه المدينة أكثر من عدد الغيوم في السماء. كل يوم تقرأ إعلانا عن غرفة مع إفطار. وربما أبدل المسكن على مدار الأسبوع. الحذر ضروري حتى أحل لغزه. قفزت من الحافلة، وشيعتها بنظراتي، ورأيتها وهي تبتعد بمؤخرتها المضلعة وقامتها العالية، فهي حافلة من طابقين. وكانت تتهادى أمامي مثل بجعة تمخر عباب بحيرة. كل شيء هنا ينتمي لعالم الأمنيات. وغمرتني الطمأنينة حتى أوشكت أن أنسى المطاردة، وما رافقها من أوهام ومخاوف. ووضعت يدي في جيبي، واندفعت إلى الفندق.

...

دخلت من البواية وأغلقتها، فضرب الحديد بالحديد. وتابعت على طول الممر، وكان يغطيه بساط من الأعشاب. وانتبهت لحلزون يحبو فوقه، لكن بأي اتجاه يذهب، من يعلم نفسية الحشرات أو الحيوانات الكئيبة.. حتى لو أن حالتي ليست أفضل، فأنا أزحف منتصب القامة، وهي تزحف على الأرض. وأنا أفتش عن مخبأ معتم لأدفن طموحاتي فيه، وهي تفتش عن البقاء والحياة في النور. وعندما وصلت لغرفة الاستقبال، وتهيأت لأطلب مفتاحي، وقعت عيني على شخص سبقني. لقد كان هو. ونظر لي نظرة جانبية ذات مغزى. كانت عيناه عميقتين دون لون محدد، مثل الرماد بعد الحريق، أو أرض جافة لم تمر المياه بها من شهور. لنقل مثل عيني الطريدة وليس الصياد. واستغربت من هذه المفارقة. كلانا طريدة للآخر على ما يبدو. وربما لذلك كان على وجهه ابتسامة صفراء.

كانون الثاني 2019

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي