رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 15 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2274

الصرخة المكتومة

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

علي رشيد*

تحيلنا قراءة الصورة إلى التمعّن في عناصرها، وتحديد قيمتها التعبيرية، لنتمكن من الخوض في سرد تفاصيلها، لكن هنالك دائما عناصر مفقودة في الصورة تجعل القراءة مبتسرة, وسطحية مغلوطة، لو لم يعمد القاريء إلى استحضار العناصر الغائبة التي بقيت خارج الكادر لتضيف إلى المدرج تعبيرات أخرى تستقيم معها القراءة .

في لوحة مونش "الصرخة" بقيت أغلب القراءات تعوم على أن الصرخة صدرت من الشخص المفزوع الذي يتصدّر العمل كرد فعل عصابي خائف، ومتوحد. لكن القراءة الحقيقية لواقع الصرخة يؤكد بعد استحضار شخص الفنان وسيرته أن من يصرخ في اللوحة هي الطبيعة التي تحيط بالشخص "مونش" حتى جعلته يفتح فمه فزعا، و يغلق أذنيه بكفّيه كي لايسمع الصوت المفزع الذي يحيط به .

قراءة الصورة الثانية، التي تتصدّرها أم عراقية، ترفع يدها بالتحية لنعش ولدها الشهيد، ركزت على التحية "كما ركزت في لوحة مونش على الفم المفتوح"، وتغاضت عن الوجه المصدوم، والعينين الغاضبتين كقوة تعبير. فملامح الأم المكلومة بالفقدان ناضحة بالاحتجاج، والقهر، وفداحة الخسران. وفمها الموشّح بعصابتها يكتم صرخة هي أشدّ فزعا، وأكثر مرارة، وقسوة من الصرخة عند مونش. هذا الكتمان أوحى بقراءات مغلوطة أيضا حتى فسّر العديد ممّن أشاروا إلى الصورة بعد أن ركزوا على أن اليد المرفوعة دلالة على التماسك، والسعادة ، والعرفان لفعل الشهادة .

هنا يغيب أيضا استحضار العناصر التي غابت من كادر الحدث "الصورة" ومنها واقع البلاد ، وطبيعة حروبها العبثية . فالبلاد يتحكم فيها ، ويحكمها مافيات من الفاسدين، والأميين، وصيارفة دين، وطائفيون، وقوميون عنصريون، وزعماء مليشيات كانوا سببا في تفاقم، واندلاع حروب مشبوهة "تاجر بها الجميع" كانت البلاد مسرحا لخرابها الذي عمّ، وكان الفقراء، وأبناؤهم حطبها وضحاياها.

لو تمعّنا جيدا في صورة الأم لوجدنا أن القراءة الأكثر انسجاما تنطلق من تعابير وجهّها التي تنمّ عن حزن وغضب كظيمين توقفت معهما الحياة. غضب جعلها ترفع يدها كرد فعل "مضاد" يُستحضر عادة عندما لاتتمكن الحواس من ممارسة سلطتها لهول الحدث وعظمته . فالتحية هي أصبع أوسط يرفع بوجه كل من جعل ولدها حطبا لحرب يسترزق منّها. يدها هي عين أخرى تنظر في عين الله ولسان حالها يقول :

أنا من سيحاسِب يوم الحساب .

 

* فنان تشكيلي عراقي

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي