رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 15 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2274

لغة بحرية: قراءة في "موبي ديك" لميلفيل

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

يوناتان دايان*

البحر الأصلي يمنحنا الحياة ويستردها منا. فهو مثل الله المعبود، إنه بحر بإمكانيات أسطورية. وقد رسم ميلفيل صورة للبحر وخلفه القارة الأمريكية كما كانت تبدو في القرن التاسع عشر: مياه تحدها شطآن، وتلعب فيها قوى غامضة، يعزوها ميلفيل لآلهة هي منبع الوصايا القديمة والجديدة.  وعليه، يمكن النظر لبحر ميلفيل وكأنه انحراف، أو ظاهرة غريبة، أو حتى رمز رومنسي للمخلوقات البدائية. إنه مفهوم له مكانه وزمانه، ويعاند المركزية الأوروبية بمنحاها الغربي، ويحولها إلى مركزية أمريكية. وتجد هذا التحول في الكلمات المكتوبة، أو في النص الأدبي، لذلك البحر وتحولاته بلا جدال عبارة عن نص.

موضوعيا تصور الرواية البحر ووحوشه على قدم المساواة، دون أي اهتمام بإطار النظام المعرفي والأدبي. ويمكن أن تعتبر ذلك على أنه منفذ معد للهروب.  فهو يسمح بآلية يتصل بها النص مع حقل آخر من حقول التخيل والتفكير، حيث يمكن أن تتوالد عناصر جديدة عن أشكال أدبية قديمة. لقد اهتم ميلفيل بالمستوى الألسني من روايته، وجعل منه منفذا للعبور والهرب، ولولا ذلك لما تمكن من تجاوز حدود اللغة. وهذا يعيد للأذهان مصطلحات دولوز. إنه ليس صدفة أن تتحكم بكتابة ميلفيل الظروف الأولية لأدب الأقليات، كما تكلم عنها دولوز وغوتاري في دراسة مشتركة عن كافكا ومشاكل مهنة الكتابة: وهي استحالة أن تكتب واستحالة أن لا تكتب.  فالأدب الهامشي، كما يقول الباحثان، ليس هو أدب اللغة الهامشية، ولكنه أدب حولته الأقليات إلى لغة لا بد منها... وأول صفاته، بكل الأحوال، تعرض اللغة لمحاولة جاهدة ترمي لإلغاء التضاريس.

وبهذا المعنى يؤكد ثورنتون وايلدر أن لغة ميلفيل هي لغة إنكليزية ضعيفة. ولكنه لا يعني أن ميلفيل لا ينتقي كلماته، بل هو  يعكس نوعا من أنواع "التشتت" المتعمد في أسلوب التعبير الأدبي. وبالمثل يرى دولوز أن لغة ميلفيل لم تكن عادية في روايته "بارتلبي". وربما يعني بالتحديد: أنه استعمل أسلوب رواية داخل رواية. أو أن النص المكتوب هو نسخة من رواية مفترضة تحمل نفس العنوان. ولذلك، رأى دولوز، أن البداية كانت تشبه ترجمة سيئة. لقد تسبب أسلوب ميلفيل، في التعبير، بصدمة للنظام الألسني. فكتابته كانت تتطور في مستوى ميتا شعري وبأسلوب إنسان يتكلم لغة أجنبية. وبلغة أوضح: كانت لغته تنتمي للحياة الواقعية، أو ما وراء النص المكتوب. وهذا الأسلوب في التعبير يشير لاحتمال من إثنين:

- أن الآخرين يعتدون على اللسان الأصلي ويتكلمون بحرية دون التزام بالقواعد. وهذه هي حالة كافكا، اليهودي التشيكي الذي تعلم في أحضان ثقافة الإمبراطورية النمسا / هنغارية.

- أو أن اللغة هاجرت إلى فضاء أجنبي. بمعنى أنها تخطت حدودها، وضاعت في فضاء الآخرين. كما هي حالة ميلفيل، الأمريكي الذي يتكلم في القارة الجديدة بلغة إنكليزية معدلة.

لقد كان موقف ميلفيل من إسماعيل الأمريكي <أحد أبطال موبي ديك> مثل موقفه من اللغة الإنكليزية -  لقد بترهما من بيئتهما الطبيعية، وأرسلهما إلى  فضاء مفتوح وهائج. لقد ألقى  بهما في البحر المفتوح، بين الكائنات المتوحشة، حيث من المنطقي أن يضيع كلاهما. أو كما يقول دولوز:"لقد اخترع ميلفيل لغة أجنبية كانت تتحرك تحت اللغة الإنكليزية العادية، لغة تحمل الكتابة لمسافات أبعد: إلى الأغوار السحيقة أو إلى حيث لا تضاريس، إلى المساحة التي تسيطر عليها لغة الحيتان". ومن الطبيعي أن تهيمن لغة الحيتان في الفضاء السائل، وهي لغة تتناقلها جنيات البحر، ويتكلم بها إسماعيل، وغيره من الجماعات التي لا تعيش على اليابسة. وهنا تبدأ شعرية ميلفيل بمفعولها، وتخترع أبجدية خاصة بعالم البحار. وليكون القارئ على دراية بهذه اللغة، عليه أن يضع في حسبانه، مثل البحارة، كل ما له علاقة بالحركة والدوران. وفي المقدمة عليه أن يفهم أن هذه اللغة تدين بوجودها  للكاتب المفترض، إسماعيل. وأن المغامرات التي سيمر بها هذا الكاتب ستؤثر حتما على كلامه وأساليب تعبيره، وعلى أسلوبه في الكتابة، وأيضا على الشكل الغريب الذي ستتبلور على أساسه الرواية.  إن صورة البحر كما تبدو في الرواية قد كسبت صفاتها النوعية من العلاقة المتبادلة بين شخصياتها المختلفة. وهي: الإنسان المتوحش، والطيف أو الموت، ووحش البحار – الحوت. وقد ربط النص كل هذه المفاصل بقوس من التوقعات، ليدمج خلفياته مع المرئيات والظواهر مع الحبكة وكثافتها. لقد كانت شخصيات الرواية تتجاور وتتفاعل فيما بينها، ولكن دون أن تذوب في سواها. وهذا ضمن لكل فكرة ولكل شخصية هوية متفردة ودائمة.

* عن كتاب "شعرية المياه: الحوت والبحر". ترجمة/ صالح الرزوق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي