رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2220

تصدير كردستان 600 ألف برميل يوميا وليس 250 ألفا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

حمزة الجواهري

كلما أسمعهم يطالبون حكومة إقليم كردستان بـ250 ألف برميل يوميا من النفط أستشيط غضبا وأتعجب للتغاضي المتعمد من قبل المسؤولين وأعضاء البرلمان والإعلام بكل أنواعه من أن الإقليم لم يسلم الحكومة الإتحادية عائدات 250 ألف برميل يوميا يصدرها عبر جيهان التركي. وأخيرا تجرأ رئيس مجلس الوزراء وقال لم يسلمنا الإقليم دولارا واحدا من عائدات الـ250 ألف برميل يوميا متغاضيا. نعم، متغاضيا، عن أن الكمية المصدرة التي هي في الواقع أكثر من 600 ألف برميل يوميا، وتغاضى أيضا عن حقيقة أن معظمها يذهب إلى إسرائيل ويباع لهم بأسعار مخفضة جدا. الأغرب من ذلك أن الحكومة الاتحادية تريد التفاوض مع وفد قادم من الإقليم على عائدات النفط وتحديدا على 250 ألف برميل يوميا فقط وليس الـ600 ألف برميل! إن لم تكن أكثر من 600 ألف برميل يوميا، بحسب بعض التقارير الإعلامية التي حسبتها بـ700 ألف وأخرى بـ900 ألف برميل، لكني حقيقة لا أمتلك أدلة كافية على أن الكمية تصل إلى 900 ألف برميل يوميا رغم أن الرقم معقول جدا مقارنة بجشع الإقليم وتماديه بالسرقة المعلنة والتي يتبجحون بها على أنها عمل وطني كردي.

إن معظم وكالات الطاقة في العالم تشير إلى أن التصدير من كردستان بحدود 560 ألف برميل يوميا، فضلا عن الكميات المهربة من حقول كركوك بحدود 35 ألف برميل يوميا، وكميات أخرى من حقلي القيارة والنجمة تصل إلى 30 ألف برميل يوميا. كلها تهرب بعلم الجميع بدون اكتراث ولا خشية من أحد، نعم أعرف أن بعض التهريب أو السرقات من الحقول تم إيقافها، وذلك ما وصلني من مصادر موثوقة، لكن ما تزال هناك كميات لم تستطع شرطة النفط والطاقة الإتحادية لحد الآن، السيطرة عليها وإيقافها. إن بعض الشر أهون، ونشكر شرطة النفط والطاقة على متابعتها للموضوع، لكن مع ذلك وما هو موثق بقي الرقم يزيد على 600 ألف برميل يوميا من نفط الشعب العراقي، يباع من خلال الإقليم.

على وفق الدستور فإن كل إنتاج الإقليم يجب أن تذهب عائداته للحكومة الإتحادية، وهذه هي الحقيقة التي يحاول الجميع التغاضي عنها رغم أنها أوضح من الوضوح وأبلغ من البلاغة. أضف إلى ذلك أن أحكام المحكمة الاتحادية العليا تعتبر مثل الدستور، فهي لا تنقض ولا تبدل، فهي باتة ونهائية، وأن الحكم الذي صدر بخصوص قضية عدم دستورية قانون شركة النفط الوطنية لسنة 2018 في بعض بنوده يمكن الرجوع إليها في هذه القضية لتبت فيها أيضا، لأن الحيثيات متشابهة حد التطابق، حيث أن المحكمة الاتحادية قد اعتمدت على الدستور في مواده 110 أولا وثالثا والمادة 111 والمادة 112 أولا وثانيا، فمضمون هذه المواد الدستورية تشير بمنتهى الوضوح الى أن بيع النفط من قبل الإقليم والاستئثار بعائداته، يعتبر غير دستوري، بل انه سرقة بوضح النهار وجريمة كبرى، بل خيانة عظمى للوطن.

سيتزامن مع نشر هذه المقالة حضور وفد من الإقليم للتفاوض مع الحكومة الاتحادية حول هذه المسألة، وهنا يتساءل المرء هل بعد الدستور الواضح وحكم المحكمة الاتحادية العليا من تفاوض؟! ثم التفاوض على ماذا؟

هل التفاوض على إلغاء الدستور؟ أم التفاوض على قرار المحكمة الاتحادية العليا الذي يعتبر باتا مثل الدستور؟

أم لتقاسم عائدات الـ600 ألف برميل، في ما بينهم كأشخاص؟

الأمر لا ينتهي عند هذه المسألة؛ فالقضية التي رفعتها وزارة النفط ضد الإقليم، كونه يبيع النفط المسروق معظمه من حقول كركوك بواقع 460 ألف برميل يوميا لعدة سنوات، سبقت الحكومة الحالية بواقع تصدير بين 400 ألف برميل و550 ألف برميل يوميا، ولم تسلم عائداتها للحكومة الإتحادية. تم النظر بالقضية من قبل المحكمة واستكملت كل جوانبها القانونية والفنية والمالية، لكن تم التريث بإصدار القرار بعد تدخل من الحكومة الإتحادية بوقف إصدار القرار النهائي الذي سيكون لا رجعة فيه، ولا استئناف له.

تدخل الحكومة كان المبرر له هو أن الموضوع فيه جانب سياسي، وتأمل الحكومة أن تحل الموضوع بالسبل الحضارية مع الإقليم دون اللجوء للمحاكم ومن خلال المفاوضات، لكن لا المفاوضات جرت ولم يتم تسليم مستحقات الحكومة الإتحادية، ولم يصدر قرار المحكمة لحد الآن. ولا ندري متى سينتهي هذا المسلسل الذي لا نهاية له والذي يستخف بعقول وحقوق العراقيين؟

هناك قضية أخرى رفعتها حكومة العبادي للمحاكم الدولية ضد الحكومة التركية، كونها تصرفت بطريقة مخالفة للقوانين الدولية وتركت إقليم كردستان يبيع النفط العراقي على هواه بدون مسوغ قانوني لسنوات طويلة، وصدر القرار للمحكمة الدولية بتغريم الحكومة التركية مبلغ 26 مليار دولار لصالح العراق، لكن الحكومة الإتحادية العراقية طلبت من المحكمة الدولية التريث بتنفيذ القرار من دون إبداء الأسباب على الأقل للشعب العراقي قبل المحكمة الدولية. وهل سمع أحد بما هو أغرب من ذلك؟

هذا التفريط بحقوق الشعب العراقي بعشرات مليارات الدولارات لصالح الإقليم، بل لصالح شلة من السياسيين الكبار في الإقليم الذين تقاسموا هذه الأموال في ما بينهم ووضعوها في بنوك عالمية وربما بأسماء وهمية وحتى الشعب الكردي لم يستلم منها دولارا واحدا؛ فالفترة التي توقف بها الإقليم عن تسليم رواتب موظفيه قد امتدت لأربع سنوات تقريبا والحكومة العراقية الإتحادية توقفت عن منح رواتب الإقليم لفترة ثلاث سنوات، على أمل الضغط على ساسة الإقليم ليصرفوا رواتب الموظفين من عائدات النفط، لكن حكومة الإقليم لم يرف لها جفن، ولم تكترث لمعاناة الشعب الكردي رغم أن الحالة وصلت بهم لأن يبيعوا حتى أبواب بيوتهم ليأكلوا أو يلبسوا. وبذات الوقت كانت حكومة الإقليم تذرف دموع التماسيح على موظفي الإقليم، وتدعي أن الحكومة الإتحادية قطعت عنهم الرواتب دون وجه حق، وكأنهم لم يستلموا عائدات النفط المصدر من الإقليم.

اليوم سيتفاوضون مع حكومة صديقهم رئيس مجلس الوزراء الذي فتح لهم خزائن الدولة لمزيد من استنزاف الأموال التي تعود للشعب العراقي؛ فمن سيتفاوض معهم؟ وعلى ماذا سيتفاوض؟ وهل ستؤجل المفاوضات بتسويف متعمد كعادتهم حتى نهاية عمر الحكومة الحالية، ويتركون التفاوض للحكومة القادمة؟ ومن سيحاسب من؟ وأين هي الأموال التي سلبت؟ وهل ستستمر هذه المهزلة المبكية إلى ما لا نهاية؟ في حين أن عمليات سرقة النفط وتصديره للخارج من قبل الإقليم مستمرة دون اكتراث من أحد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي