رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 15 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2274

"على شواطئ الترحال".. الجندرية تغلب القومية

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

حسين فاعور الساعدي*

من الروايات المحلية التي قرأتها في المدة الأخيرة رواية “على شواطئ الترحال” للدكتورة راوية بربارة. قرأت الرواية في يوم واحد وهذا دليل على وجود روح وعنصر التشويق والجاذبية فيها. لكنني أعدت قراءتها لأنني شعرت أنها تزعجني في مكان ما، بل تستخف بي كعربي يعيش في هذه البلاد. لقد أصبحنا جميعاً نقول أننا “شعب غير جدير بالحياة”. نقولها في ساعة عسر وغضب ويأس. ونقبلها من منطلق أننا على قناعة تامة أننا يجب أن نكون شيئاً آخر. لكن هذه المقولة تصبح خطيرة، وخطيرة جداً، عندما نقتنع بها وننسى أن كل العالم عمل على مدار سنوات طويلة لنصل إلى الاقتناع بها.

لا أعرف د. راوية بربارة عن قرب ولكنني قرأت ما تكتب ولا أشك أنها تعيش الواقع وتتعامل معه سواء في حياتها العادية أو في حياتها المهنية كمفتشة في وزارة المعارف. ولا أشك كذلك بذكائها وفطنتها فلماذا بنت بطلي روايتها بهذا الشكل؟ لماذا ألبستهما غبر ثوبيهما؟ لماذا ابتعدت عن الواقع؟ هل لتجمله وهي تعرف أنه قبيح وبشع؟ أم لتهرب منه وهي تعرف أن أجمل ما في الأدب هو واقعيته؟

إبراهيم شاب يساري يشارك في المظاهرات وهذا يعني أنه إنسان مثقف. وتخرّج ممرضاً، وهذا يعني أنه إنسان متعلم. في واقعنا الذي نعيشه في البلاد من الصعب على يساري مثقف ومتعلم أن يتزوج من يهودية إسرائيلية.لأنه يعرف تماماً ماذا يعني ذلك. ولأنه سيصطدم معها من أول يوم. معظم حالات الزواج بين شباب عرب وشابات إسرائيليات هي من بين الطبقات غير المتعلمة والبعيدة كل البعد عن السياسة. هذا هو الواقع الذي يعرفه كل من يعيش في هذه البلاد وأعرفه أنا شخصياً من خلال عملي في أقسام الرفاه الاجتماعي في سلطاتنا المحلية وقد عالجت الكثير من قضايا هذا الزواج وجميعها لأزواج من الطبقات الفقيرة المعدمة. لم يحدث خلال أكثر من ثلاثين عاماً من عملي في هذا المجال أن وصل إلى إنسان جامعي متزوج من إسرائيلية ابنة هذه البلاد. على النقيض من ذلك هنالك الكثير من حالات الزواج مع أجنبيات بين المتعلمين الذين درسوا خارج البلاد وعادوا إلى عائلاتهم بشهادة طبيب او مهندس وزوجة أجنبية. وقد عالجت الكثير من هذه الحالات أيضاً وخصوصاً الأطفال ضحايا هذا الزواج.

فلماذا اختارت الكاتبة لإبراهيم أن يكون ممرضاً؟ لماذا لم تجعله عامل بناء أو عامل نظافة أو عامل مطاعم كما هو الواقع؟ إن إختيارها أضعف القناعة بالرواية وقوي التصنع الذي يضعف الأدب.

سؤال آخر حيرني وربما أغضبني: لماذا اختارت الكاتبة سارة لتكون هي الراوية في معظم فصول الرواية؟ ألم يكن من الأجدى والأقوى للرواية أن يكون إبراهيم هو الراوي؟ فإبراهيم أقرب للكاتبة من سارة، أو من المفروض أن يكون أقرب إلا إذا كانت الجندرية قد غلبت القومية وهو ما حدث كما يبدو لأنه لا وجود لعذر او سبب آخر لهذا الاختيار الذي حرم الكاتبة فرصة المزيد من الإبداع في تجسيد الصراع أو التناقض بين الزوجين.

أضف إلى ذلك إن اختيار سارة لتكون ضحية هذا الزواج هو تكريس للستريوتيب أن المرأة هي الضحية دائما في مختلف الصراعات الزوجية، وهو ستريوتيب خاطئ وفيه الكثير من الجهل بالواقع حتى عندما تكون الزوجة عربية. وينم عن تعاطف جنساني ولا أقول فيمينستي حتى لا أظلم الكاتبة. ففي مجتمعنا هنالك الكثير من حالات الصراع بين الأزواج يكون فيها الزوج هو المظلوم والمعنف الذي يعاني الظلم والجور من زوجته. هذه الحالات الكثيرة جداً لا يعرف عنها أحد لأن ضحاياها من الرجال يخجلون من الجهر بمعاناتهم ويفضلون الموت على ان يعرف أحد أنهم ضحايا لعنف زوجاتهم. وهنا وظيفة الكاتب او الكاتبة في كشف هذه الحالات والإضاءة عليها. لكن الكاتبة أضاعت هذه الفرصة الثمينة خصوصاً وأن الزوجة إسرائيلية لديها كل المؤهلات والوسائل لتكون هي الظالمة. إن اختيار سارة اليهودية التي تعيش في دولة اليهود لتكون هي الضحية أضعف الرواية إلى حد بعيد ومنع القارئ العربي من التعاطف معها أو الاقتناع بها. هكذا شعرت وربما اكون مخطئاً. والأخطر من ذلك أضعف عنصر الصدق وقوى عنصر التصنع. حتى القارئ العادي في هذه البلاد يعرف أن المرأة العربية المعنفة تستطيع التوجه للشرطة وطلب الحماية. والقانون يلزم الشرطة التدخل وتوفير الحماية لها حتى لو استدعى الأمر إبعاد الزوج عن البيت، فما بالك بالمرأة اليهودية. والكاتبة لكونها مفتشة في سلك التعليم من المفروض أنها تعرف ذلك جيداً. فلماذا جعلت من سارة زوجة تتلقى الضرب العنيف والمبرح ولا تحرك ساكناً؟ ألهذا الحد تحب إبراهيم؟ غير مقنع وغير واقعي، لأنني كأي قارئ عادي يعيش في هذه البلاد أعرف ألا وجود لامرأة كهذه. فما بالك عندما تكون هذه المراة يهودية إسرائيلية ومتزوجة من فلسطيني. لا، غير مقنع بتاتاً وقد كرس المزيد من التصنع في هذه الرواية الجميلة.

هنالك أمر آخر غاب عن الرواية وجعلها تبدو أكثر بعداً عن الواقع وكان من الممكن ان يثريها ويزيدها جاذبية، وهو دور العمال الاجتماعيين في هذه الحالات. لماذا تجاهلت الكاتبة هذا الدور وهي تعرف أنه مركزي وأساسي، في أي خلاف زوجي مهما كان بسيطاً، بسبب القوانين التي سنت في السنوات الأخيرة (سنوات الرواية)، والتي تلزم العمال الاجتماعيين التدخل السريع ودون انتظار توجه أحد أطراف الصراع وطلب المساعدة. هل هذا التجاهل هو بسبب التنافس، ولا أريد أن أقول التصارع، بين أقسام الرفاه الاجتماعي وأقسام التربية في سلطاتنا المحلية؟ وتعبير للتضامن المهني المشروع للكاتبة؟ في كل سلطاتنا المحلية هنالك صراع ظاهر وأحياناً خفي بين أقسام التربية وأقسام الرفاه الاجتماعي رغم وجود الكثير من القواسم المشتركة بينها في الكثير من مجالات التدخل. هذا الصراع سببه الميزانيات الرمادية المشتركة التي يحاول كل قسم السيطرة عليها.

بعد قراءة هذه الرواية شعرت أنها تتحاشى الواقع. أو لا تطرحه كما هو، بل تحاول التحايل عليه لتفلت من الأسئلة المحرجة من باب “ابعد عن الشر وغني له” وهو أسلوب يلجأ إليه أدباؤنا الموظفون بشكل عام دون قصد. الصراع بين شاب فلسطيني وشابة إسرائيلية لا يمكن أن يكون حول الحجاب، بينما الأرض أو امتلاك الحيز هو الصراع الحقيقي الدائر والعام. اللغة هي الصراع. العادات والتقاليد والممنوع والمسموح هي الصراع. قضية الحجاب مثيرة وأكثر مدعاة للصراع بين فلسطيني وفلسطينية وليس بين فلسطيني وإسرائيلية. فهنالك الكثير من الإسرائيليات وخصوصاً من أصول روسية متزوجات من فلسطينيين ويرتدين الحجاب. إذن لماذا كان الحجاب هو موضوع الخلاف بين إبراهيم الفلسطيني والسياسي اليساري وسارة الإسرائيلية ذات الجذور الشرقية المشبعة بكراهية واحتقار العرب؟ أليس للهروب من طرح المواضيع الحقيقية للخلاف كموبقات الاحتلال وقتل الأطفال ومصادرة الأرض وهدم المنازل وتفشي أجواء العنصرية والاستعلاء والكراهية العمياء للعرب؟ إن طرح موضوع الحجاب بين فلسطيني وإسرائيلية هو هروب واضح من الواقع واستخفاف بذكاء القارئ لا لزوم له في رواية جميلة تطرح قضية حساسة جداً كان من الممكن للكاتبة طرحها بجرأة أكثر.

على شواطئ الترحال رواية كانت من الممكن أن تكون أجمل بكثير، لو نقلت الواقع كما هو دون التدخل من طرف الكاتبة. هذا التدخل الذي جعل إبراهيم هو الظالم العنيف والمدمن، لكونه رجلاً. وجعل سارة، التي تملك الكثير من وسائل وأدوات القوة، هي الضحية المسكينة التي تضحي وتدفع الثمن، ولا تحرك ساكناً، لكونها امرأة. وهو تدخل فظ ومباشر أضفى على الرواية تصنعاً واضحاً، غير مفهوم وغير مبرر، مع أن الكاتبة تقول: “لكن الواقع المر يأبى إلا أن نصطدم بمصطلحاته، ووقائعه، وتاريخه، وحاضره، ومستقبله، وأن نحمل وزر مصائب لا شأن لنا فيها. و “لا ناقة لنا فيها ولا جمل”، لكننا وعلى غفلة منا، “نحمل الجمل بما حمل”…” ص 148

ليت الكاتبة اصطدمت بمصطلحات الواقع بتاريخه وحاضره وتركت لإبراهيم وسارة حمل الجمل بما حمل وسرد حكايتهما بعفوية تامة ودون هذا التدخل العبثي الذي لا علاقة له بمتطلبات النص ولا بمقتضيات الإبداع.

"على شواطئ الترحال" رواية جميلة في أسلوبها ولغتها إلا أنها كان من الممكن جداً أن تكون أجمل لولا هذا التجاهل للواقع ومحاولة تجميله ب”القوة” والذي أفقد الرواية واقعيتها وأضفى عليها تصنعاً لا حاجة له. تحياتي لد. راوية بربارة وننتظر منها المزيد.

* أديب فلسطيني

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي