رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2220

الدبلوماسية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

فؤاد الصباغ*

إن الدبلوماسية في مدلولها اللفظي تعني كلمة دبلوم و هي الوثيقة الرسمية التي يسندها صاحب السلطة إلي شخص معين تتوفر فيه ميزات و خصائص من الرقي و السامية مقارنة مع أشخاص آخرين و ذلك في إطار إنجاز مشروع معين يتم تحقيقه بنجاح. أما المصطلح الحديث للدبلوماسية الإقتصادية يعني إستخدام الموارد الأولية و الثروات الوطنية و الطاقات البشرية و المكاسب الإقتصادية و توظيفها مباشرة في مشروع المقايضة أو المساومة التفاوضية بين الدول و رجال الأعمال المستثمرين. كما تمثل الدبلوماسية الحديثة نموذج التفاوض الناجح بالطرق السلمية و الحضارية من أجل إكتساب ثقة الطرف الآخر  بالأقوال و بالأفعال. و قد أثبتت التجارب التفاوضية السابقة في المجالات الإقتصادية و خاصة منها التجارية علي أهمية ذلك النوع من الدبلوماسية إستراتيجيا من أجل تعزيز مكاسب الأمة من إنجازات عبر سعيها لجلب الإستثمارات الأجنبية المباشرة و تحفيز المبادلات التجارية الدولية و الرفع من نسق التعاون الدولي و المساعدات بين الدول و الحلفاء. إذ في هذا الصدد يمكن القول أن من "لا يملك خبزه, لا يملك قراره", بحيث أصبح عالمنا المعولم هذا تهيمن عليه القوي العظمي  صاحبة النفوذ المالي و الإقتصادي علي غرار الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوروبي و تحالف البريكس الذي يضم البرازيل, روسيا الإتحادية, الهند, الصين الشعبية و جنوب إفريقيا. إذا أصبحت اليوم مهنة التمثيل الدبلوماسي حساسة جدا لأنها يمكن أن تخلق مشاكل إقتصادية أو سياسية و حتي تأزم في العلاقات الدولية و قطعها و وضع علي قائمات سوداء و غيرها, إذ لم تحسن بعض الأطراف في التعامل مع بعض الملفات مع الجهات المفاوضة و التي تجمعهم مصالح سياسية و إقتصادية مشتركة. إذ في هذا السياق تعتبر الدبلوماسية الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي نموذجا ناجحا في التفاوض بين كل الدول التي تجمعها بهم مصالح تجارية, إستثمارية أو علاقات مالية مشتركة. فاليوم أصبح سلاح النفوذ المالي و التعامل مع أسعار النفط و الغاز و أيضا التمويلات من قبل صناديق التنمية و الإستثمار و الهبات و الدعم المالي في وقت الأزمات في مجملها من أبرز الأسلحة الإقتصادية التي تعتمد كأوراق تفاوضية لدول مجلس التعاون الخليجي. كما أن الحروب الإقتصادية أصبحت مؤخرا تعد من أبرز أنواع الحروب تطورا و تقدما  و ذلك عبر الضغوطات في المعاملات التجارية و المالية الدولية أو الإملاءات وفق أجندات و شروط تخدم مصالح القوي العظمي, و لعل أبرز دليل علي ذلك فاعلية الحرب الإقتصادية التي تشنها حاليا الولايات المتحدة الأمريكية ضد عملاق التجارة العالمية الصين الشعبية أو ضد برنامج دولة إيران النووية. أما أحداث الأزمة القطرية الأخيرة من خلال الحصار الإقتصادي من جانب بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي أثبتت بدورها نجاعة تلك الدبلوماسية التي تعتمد علي الثروات الوطنية و تسخيرها في العمليات التفاوضية بحيث تمكنت دولة قطر من كسر ذلك الحصار بفضل حنكة دبلوماسيتها و مصالحها التجارية و المالية مع الدول الغربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوروبي. إذ تمثل الدبلوماسية الإقتصادية القطرية سلاح قوي ذو حدين و صامد تجاه أي أزمات داخلية أو خليجية, بحيث يمثل الدعم المالي و الإستثمارات الضخمة بالدول الأوروبية و الولايات المتحدة الأمريكية نواة قوة لتلك الدبلوماسية التي ترتكز بالأساس علي النفوذ المالي و دبلوماسية النفط مقابل دبلوماسية الدولار. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية و دولة الإمارات العربية المتحدة أصبحت مجمل صناديق التنمية و الإستثمارات المباشرة و شركات النفط المحلية مثل أرامكو و غيرها تعتبر هي أيضا سلاح ذو حدين ناجع و ناجح بحيث تستعمل كأدوات لأغراض سياسية عن طريق مصالح إقتصادية ضد أي أزمات إقليمية أو دولية. ففي هذا الإطار تعتبر عمليات تفعيل دور البعثات الدبلوماسية الإقتصادية في الخارج من أولويات السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي و ذلك من أجل كسب أكبر نصيب من كعكة الإستثمارات و التجارة مع دول الإتحاد الأوروبي و رفع نسق التداول بالأسواق المالية العالمية و بسط النفوذ المالي و اللوبي الخليجي بالدول الغربية و العربية. بالإضافة إلي ذلك تمثل العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة عبر إبرام العديد من الصفقات و الإتفاقيات المشتركة في شتي المجالات عنصرا داعما و مؤسسا قويا لدبلوماسية صامدة بعيدة الأمد وفقا لرؤية ولي العهد الملك محمد إبن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لسنة 2030, أو أيضا مع الدول العربية الحليفة و الصديقة خاصة من خلال مخرجات القمم الثالثة الخليجية, العربية و الإسلامية التي أنعقدت مؤخرا بمدينة مكة المكرمة السعودية و ذلك من أجل تقوية الحلف الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. فالعلاقات الخليجية مع بعض البلدان العربية و الإسلامية  تبقي راسخة و مستمرة خاصة من جانب تلك الإستثمارات الضخمة في شتي المجالات الحيوية منها في البني التحتية و المرافق الترفيهية و التي تديرها بعض الشركات العقارية و الإستثمارية الإماراتية خاصة منها شركة سما دبي تعتبر رافدا من روافد التعامل الدبلوماسي الإقتصادي الخليجي و ذلك لخدمة أغراض و أجندات سياسية و إستراتيجية بعيدة الأمد. أما بخصوص الفوضي العارمة و الدمار و الإرهاب التي شهدتها أغلب الدول العربية المجاورة لدول الخليج العربي أو ببلدان بما يسمي الربيع العربي أصبحت تعتبر من أبرز العوامل السلبية لعدم إستقرار أمن المنطقة برمتها مما يهدد بالنتيجة مصالحها الإقتصادية و التجارية و المالية مع بقية دول العالم. بالتالي توجهت الدبلوماسية الإقتصادية الخليجية الحالية نحو سياسة قطع جميع علاقاتها الإقتصادية و التجارية مع الأطراف أو الدول الداعمة و الممولة للإرهاب. عموما تمثل الدبلوماسية الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي أهم مصدر نفوذ إقليمي رئيسي من أجل تنظيم العلاقات التجارية و الإقتصادية مع الحلفاء البارزين و الشركاء الدائمين و ذلك من خلال تقديم المخططات الإستراتيجية و الدعم اللوجستي و التنسيق بين رجال الأعمال و المستثمرين الخليجين من جهة, و الأطراف الأجنبية أو العربية المشاركة في الحوار التفاوضي من جهة أخري, و كل ذلك عبر التمثيل الدبلوماسي في تلك البلدان التي تربطها معهم مصالح و شراكة تجارية و إقتصادية و سياسية. كذلك تساهم تلك النوعية من الدبلوماسية في تبسيط إجراءات العمليات التجارية أو المالية و كذلك في تسهيل عملية الإستفادة من التقنيات الرقمية و التكنولوجيات الحديثة مع تقديم صورة حضرية متطورة لدول مجلس التعاون الخليجي بالخارج. أما بخصوص سياسة تطبيع العلاقات الخليجية – الإسرائيلية كان له أغراض جيوسياسية و مصالح إقتصادية مشتركة خاصة منها الدور الفعال للولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة من أجل تحقيق الإستقرار الأمني و الإقتصادي و إعتبار الخطر الإرهابي في الشرق الأوسط أهم خطر مشترك يجب مواجهته و التحرك لإجتثاثه من عروقه و القضاء عليه بصفة نهائية. فصفقة السلام الدائم بين الفلسطينيين و الإسرائيليين تحت رعاية و إشراف البيت الأبيض عبر مبعوثها الخاص للمنطقة مستشار و صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جراد كوشنير تعتبر من أبرز العمليات التفاوضية من أجل تثبيت تطبيع العلاقات العربية إجمالا و إسرائيل. فتلك الصفقة للسلام و المعروفة بصفقة القرن تعد بدورها فرصة حقيقية نحو حل الأزمة في منطقة الشرق الأوسط تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية و بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي و دولة مصر و ذلك لإيجاد علاقات دولية تدفع عملية السلام إلي الأمام و وضع المنطقة برمتها في "حالة لا حرب و حالة سلم دائم" مع تسوية تلك القضية منذ نكسة 1967 إلي الآن بصفة نهائية. إن القوة المالية و الإقتصادية لدول الخليج العربي قادرة اليوم علي مجابهة المتغيرات الإقليمية و الدولية و الحفاظ علي إستقرار دول الجوار. فالدعم المالي الخليجي قادر علي إعادة الإعمار بعد ذلك الدمار الهائل و تحقيق الإزدهار في منطقة الشرق الأوسط. بالتالي تمثل تلك القوة المالية الدولية لللوبي الخليجي الخارجي الدرع القوي القادر علي التحكم في أسعار النفط و الغاز و خلق الإستثمارات الضخمة بالدول الغربية أو العربية عبر ضخ القروض و الهبات المالية من صناديق التنمية و الإستثمار و الجمعيات الخيرية الخليجية و تكوين مصدر قوة حقيقية للدبلوماسية الإقتصادية الخليجية التي تفرض دائما مواقفها و مكانتها المرموقة علي الصعيد العربي و العالمي.

* كاتب مختص بالشأن الاقتصادي ـ تونس

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي