رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 15 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2274

اعادة هندسة الدولة

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

محمد عبد الجبار الشبوط

الاصل ان يكون العنوان هو "هندسة الدولة". لكن هذا ما كان ينبغي ان يكون عليه الامر قبل سنوات كثيرة، بعد سقوط النظام، حيث كان العراق بحاجة الى هندسة الدولة  الجديدة. اما الان وقد مرت ١٦ سنة على البناء الخاطيء، فانني استخدم مصطلح "اعادة هندسة الدولة" من اجل اطلاق الدعوة الى تصحيح "عيوب التأسيس" واعادة هندسة الدولة.

الفرق بين "الاباء المؤسسين" للولايات المتحدة مثلا و"الاباء المؤسسين" للدولة العراقية بعد عام ٢٠٠٣ ان الاباء الاميركيين كانوا يفكرون ويخططون بروح ديمقراطية علمية حديثة لبناء دولة، كما تشهد "الاوراق الفيدرالية"، التي شارك بكتابتها ونشرها اعتبارا من يوم ٢٧ تشرين الاول عام ١٧٨٧ اربعة رجال، تولى بعضهم رئاسة الدولة بعد قيامها مثل ماديسون الذي اصبح الرئيس الرابع للولايات المتحدة بين عامي ١٨٠٩-١٨١٧.

بينما الاباء العراقيون الذين نادرا ما قرأنا لهم كتابات في هندسة بناء الدولة قبل سقوط النظام واثناء كتابة الدستور، كانوا وما زالوا يفكرون بكيفية الاستحواذ على ارث السلطة التي تركها صدام لهم بعد ازاحته من قبل الاميركان، كما تشهد كل عيوب التاسيس منذ تشكيل مجلس الحكم حتى الان.

تألفت شخصية كل واحد من الاباء المؤسسين العراقيين من اربع طبقات هي: الطبقة العراقية، الطبقة الاثنية (طائفية او دينية او عرقية او حتى عشائرية)، الطبقة الحزبية، الطبقة الذاتية او الشخصية.

لكل من هذه الطبقات طموحات وآمال وأهداف وتطلعات.. الخ، وليس من الضروري ان تكون هذه الطبقات متكاملة او متجانسة. قد تكون كذلك، وقد تكون متعارضة متناقضة في ما بينها. لكننا، بعد ١٥ سنة، نستطيع ان نتوقع ان الطبقة العراقية لم تكن هي الطبقة الاقوى، او الطبقة الحاكمة على القرار والمسار بشكل مطلق. ففي اغلب النقاشات والممارسات كانت الطبقة الذاتية، او الطبقة الحزبية، او الطبقة الاثنية، هي الطبقة الحاكمة ذات الصوت الاعلى. كان الصوت الوطني العراقي خافتا بينما كان الصوت الكردي او العربي او الشيعي او السني او الحزبي او الشخصي "يلعلع" بالارجاء.

وكانت النتيجة حصيلة متراكمة من عيوب التأسيس واخطاء الممارسة التي لم تنتج دولة، او في اقل التقادير انتجت دولة فاشلة فاسدة. صحيح تم تحقق الكثير من الانجازات والمكاسب مقارنة بما كان عليه الوضع في الزمن الصدامي الاغبر، لكن ما تحقق لا يرقى الى مستوى الدولة الحضارية الحديثة. تآكلت المنجزات تحت مطحنة الصراعات حول السلطة ومكاسبها وامتيازاتها وتقاسمها.

بناء الدول علم من علوم الهندسة، هندسة بناء الدولة، وهو علم يستعين ايضا بعلوم الاجتماع والاقتصاد والنفس والسياسة والمعلوماتية والتكنولوجيا الحديثة الخ.

وهذه علوم كانت بالاجمال بعيدة عن اختصاصات الاباء المؤسسين واهتماماتهم، ولهذا لم تأت تصوراتهم وافكارهم بمستوى بناء دولة حضارية حديثة، انما كانت تدور في دائرة بدائية من افكار ما قبل الدولة، افكار زبائنية، ذات افق ضيق، محصورة بالسلطة ومكاسبها.

كانت افكارهم وتصوراتهم وما زالت محكومة بمجريات التنافس والصراع على السلطة، ومن هذه الافكار طريقة تقاسم مواقع السلطة بينهم.والمواقع تبدأ من الرئاسات الثلاث، وتمر بالحقائب الوزارية، ورئاسة اللجان البرلمانية، ولا تنتهي بوكلاء الوزارات ورئاسة الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة. وتفتقت عقولهم عن طريقة "المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية على اساس الاستحقاق الانتخابي". وكل هذه التصورات والافكار هي ابعد ما يكون عن مفهوم الدولة الحضارية الحديثة.

حالة الدولة العراق الان بحاجة الى اعادة بناء وتأهيل على اساس هندسة سياسية لبناء الدولة على اسس علمية حديثة تنتج دولة ديمقراطية مؤسساتية حديثة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي