رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 12 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2331

الإيقونة الذهبية

الأحد - 23 حزيران( يونيو ) 2019

صالح البياتي*
راح وهو جالس لوحده، ينظر من وراء نظارته الطبية، في ارجاء غرفة الاستقبال، الفارغة تقريبا، لم يتبق من اثاثها الفاخر، سوى جهاز التلفاز، المركون في احدى الزوايا، كان من قبل عام، داخل قطعة الأثاث الأنيقة، المصنوعة من خشب الصنوبر، رفع نظره الكليل اعلى، جدران بطلاء ابيض مطفي، نظر لصور الأسرة المعلقة، صورة زوجته، شريط اسود، على زاوية اطارها الأيسر. ابنه بالروب الجامعي الأسود، والقبعة المربعة، وابنته المتخرجة من كلية الطب باللباس نفسه، وصورها مع اطفالها في اعمار مختلفه، على الجدارين الجانبيين، اطار خشبي اسود، كبير ومستطيل، يتوسط الجدار المقابل للباب، قرأ بصمت حزين، من وراء الزجاج المضاء بشعاع شمس الظهيرة، الحروف المتوهجة الأنيقة بالخط الكوفي المزخرف " لئن شكرتم لأزيدنكم" 
  ابتسم بمرارة، وعلى مضض من خسر معركة، لم يهزم فيها، وقال في نفسه، اسوأ المعارك تلك التي لا تقدر على رد عدوانها، مهما أوتيت من قوة، وليس امامك إلا الأستسلام او الصبر الجميل. 
 هناك بالإضافة لجهاز التلفاز، الكرسيان، كل ما تبقى من كراسي الحديقة، وقد استحال لونها مع مرور الوقت، الى الأبيض المغبر والمقشر، بفعل حرارة الصيف، الأثاث اشتراه بائع متجول، يقود عربة يجرها حصان واحد هزيل، مكدود من تعب الدوران على البيوت، لشراء كل ما يباع بثمن رخيص، لم يبق سوى الكرسيين الذي يجلس عليه، والآخر الذي كان لزوجته، ويستخدم الآن في المطبخ، مع منضدة الحديقة كمائدة طعام.
 كانا عندما تزورهما ابنتهما، مع زوجها واطفالهما، يحلو لهم الجلوس في الحديقة الخلفية، في ليالي الصيف الحارة، يستمتعون وهم يتحدثون،  بهوائها اللطيف، الأطفال يحبون الآيس كريم، والكبار المرطبات الباردة.. 
كانت اياما جميلة.
 غرفة الجلوس الخاوية، كانت تضم طقم كنبات فاخرمنجد بقماش فستقي اخضر زاه، مطرز بخيوط ذهبية اللون، وقطعة اثاث جميلة من خشب البلوط، تحمل جهاز التلفاز، وقد اعتادا آنذاك مشاهدة فيلم السهرة معا، حتى داهمها الحصار كالمنية العاجلة، فقلب الأشياء رأسا على عقب، فكانا بالكاد يجدان شيئا مسليا في برامج التلفاز، دون ان ينغص عليها متعتهما البريئة، ظهور اعلان مفاجئ، او خبر مزعج عن الحصار، الذي كما وصفه، بسوء هضم متبادل، في العلاقات الدبلوماسية بين اميركا والعراق، او بالأحرى بين رئيسي البلدين. كانت اعراضه المرضية، ان يحتمل الشعب الجوع، كعقاب مفروض عليه بالقوة، ايصدق احد، او هل من المعقول، ان يتخاصم اثنان، بينما تكال اللكمات القوية على المتفرج!
 اعتادا الجلوس في غرفة الإستقبال كل ليلة، يتجاذبان الحديث، يستعيدان ما علق في ذاكرتهما ليوم مر عليهما مرور اللئام، لحظة الإستيقاظ من النوم، وحتى  ذهابهما للنوم، يخوضان في حديث يدور حول نفسه، بدون ملل، عن ارتفاع الأسعار، شحة المواد الغذائية، وإختفائها من الأسواق، اوعن الحصة التموينية، التي لا تصمد لمدة اسبوعين، والتي هي سر بقاء الرئيس في منصبه، قابضا بيد قوية على مقاليد الأمور.
 الآن لم يجد الرجل من يتحدث معه، بعد رحيل زوجته قبل عام مضى، وهجرة ابنهما منذ عامين، قبل ان يشتد الحصار يوما بعد يوم، لا يدري الى اين هاجر، لم يتصل، ولم تصل منه حتى رسالة.
 لم يجد شيئا ثمينا يستحق ان يبيعه، لم يبق شئ، حتى غرفة النوم بيعت بربع قيمتها، واستعاض عن السرير المزدوج العريض، بسرير حديدي لنفر واحد، حتى الكتب التي جمعها، ونظمها على رفوف، لم يبق منها سوى رواية الشيخ والبحر، بطبعتها الأصليه الأولى، ابقاها تأسيا وإقتداء بالعجوز سانتياغو، الذي تحدى البحر وقروشه الشرسة، تحد عنيد غير متكافئ . 
لم يبق سوى جهاز التلفاز، بؤرة الشؤم، المهجور منذ  وفاة زوجته، والمغطى بقطعة قماش سوداء، راح يشيح نظره كلما وقع عليه، تذكرها فدمعت عيناه، وخنقته العبرات، كانت بعدما تقاعدت عن التدريس، تعطي دروسا خصوصية، لأبناء الأسر المتمكنة، لقاء شئ متفق عليه من النقود، او احيانا مقابل بعض المواد الغذائية كالسكر او الأرز، ومجانا للأبناء الفقراء.
 لم يكن معاشهما التقاعدي هي وزوجها، يصمد لمنتصف الشهر، فإضطر هو ان يكف عن التدخين، ولم تعد هي تشتري الملابس، التي تظهرها بالمظهر اللائق، لتوفر ثمنها لأشياء ضرورية آخرى، ولم يتوقف هو عن التدخين لأنه مضر بالصحة، رغم تحذير ابنته المتواصل، وإنما  تركه لكي يوفر ثمن السجائر، لشراء صحيفته، التي اعتاد ان يقرأها كل يوم، فكانت الوسيلة الوحيدة للتسلية اليومية، للإطلاع على الأخبار التي لا مفر منها، وان ادت الى الأمعان في تعكير المزاج، بعد ان اصاب الخرس جهاز التلفاز، وصار أبكم، فلو انه فكر في بيعه، فلن يجد من يشتريه،  وان وجده، فمن هذا الغبي الذي يغامر بدفع ثمن جهازمشؤوم، لا يذيع او يعرض سوى اخبار الحصار، وما يتعلق به من فرق التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل، التي تجرأت اخيرا على دخول غرفة نوم الرئيس، من المجنون الذي يريد ان يسمع عن ارتفاع وفيات الأطفال، وغيرها، إلا إذا كان انسانا شاذا او ساديا، من المجنون، الذي يعيش المأساة، ويحب ان يتعذب بسماعها، اللهم إلا اولئك القساة الذين لم يخمش الحصار لهم وجها، حتى وان حدث سهوا. صرف نظره عن بيع التلفاز، رغم استغنائه عنه.
  أحب الراديو، وخاصة الذي يعمل بالبطارية، يستطيع ان يدسه معه في الفراش شتاءً، فربما يأتيه ببعض الأخبار المتفائلة عن قرب نهاية الحصار، او كما يردد هذه الأيام عن بصيص ضوء في آخر النفق، وإذا بخل عليه الراديو بأخبار سارة، فقد يسمعه شيئا من الموسيقى، تجلب النعاس لعينيه، صرف نظره عن بيع التلفاز، رغم استغنائه عنه.
 اصبح الأب يعيش الوحدة والعزلة القاتلة، التي فرضتها عليه الظروف القاسية، فلم يجد من يتحدث اليه، فإبنته التي تسكن بعيدا، لم تعد تزوره، إلا في المناسبات، تكتفي بين حين وآخر بالإتصال به هاتفيا، للسؤال عن صحته، هلو بابا كيف صحتك، هل تحتاج لشئ، وكان جوابه دوما، انا بخير، اهتمي بنفسك وباولادك.
 فكر في بيع الأيقونة الذهبية، هدية الخطوبة، يعرضها على صائغ مندائي، تخيل زوجته تقف امامه، تعاتبه، فهي التذكار الوحيد الباقي، صورته شابا منقوشة بالميناء السوداء، هذه الحلية الذهبية الرائعة، التي اعجبت بها سائحة المانية، عندما رأتها تتدلى على  صدر خطيبته، حينما كانا يزوران المتحف العراقي، وأحبت السائحة  ان تلسمها باصابعها، تذكر انه شرح لها عن مادة الميناء السوداء، كان يوما رائعا لن ينساه ابدا، تذكر انهما بعد ان ودعا السائحة الألمانية، تعشيا في مطعم راق، وقبل ان يعيدها الى بيتها، شاهدا فيلما اجنبيا، في سينما الخيام، كانت ليلة لا تنسى،  قال يخاطب نفسه، كيف سولت لك نفسك التفكير بذلك، الم نتفق ان نهبها لإبنتنا، لتحتفظ بها كذكرى، سمعها تقول معاتبة،ها انا رحلت، ولم تف بوعدك، فماذا تنتظر!
صوب مرة اخرى نظرة لجهاز التلفاز، وخاطبه بإزدراء لن ابيعك حتى لو اعطوني وزنك ذهبا، لن تتزحزح من مكانك سنتمترا واحدا، لأني اخشى على الناس، ان تكون سببا لإيذائهم، او لربما هلاك احدهم، فبسببك يستدرج الأطفال هذه الأيام، في مدارسهم، يستجوبونهم، ينمون عفويا عن آبائهم بالوشايات..وأنه عندما يظهر الرئيس على شاشة التلفاز، يبصق اب ساخط على صورته. 
 قرر ان يبيع الأيقونة الذهبية، خبأها في جيبه، وذهب صباحا لشارع النهر، عرضها على اكثر من محل للمجوهرات، بخسوا كلهم قيمتها، وقبل ان يعود ادراجه، دخل لآخر محل صياغة، استقبله شاب مرحبا به، أهلا استاذي، كيف حالك؟
 عرض الشاب المساعدة، برهن الحلية لديه، لقاء مبلغ معين يستلمه، وامهله مدة كافية لفك الرهن، وبدون فائدة، المبلغ يعادل تقريبا ثمن المثاقيل التي فيها، وافق، رغم ان النقود التي استلمها لا تعادل عشر قيمتها الفنية، التي ادهشت السائحة الألمانية، عاد لبيته مسرورا، ولكن يشوب سروره شيئ من حزن سنتياغو على سمكته، التي سحبها للشاطئ هيكلا عظيما.
 * قاص وروائي من ميسان ـ يقيم في أستراليا

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي