رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2294

مواطن من الدرجة الثانية

الثلاثاء - 25 حزيران( يونيو ) 2019

الفوارق الطبقية بين المواطنين، هي التي تحدث فجوة في نسيج الترابط الإجتماعي، بين أبناء الجلدة الواحدة.
الأصعب أن تكون هذه الفوارق هي من فعل السلطة المسيرة لأمور المواطنين، فتبدأ بتقسيم الشعب لا إراديا إلى مواطن من الدرجة الأولى، وآخر من طبقة الإنعدام أو ربما أقل.
هذه أولى الحكايات مع المواطن (ع.ك) البالغ من العمر ٥٤ عاما، ومازال يعمل كغالبية الشعب لإعالة عائلته، لأن الراتب لا يكفيهم لنهاية الشهر، لذلك لم يقدم على التقاعد، رغم أن قواه الجسدية قد تقاعدت منذ مدة.
أخذ سياق الحديث عدة محاور، وفي كل محور كانت تزداد تنهيدات المعاناة، التي لا تجسد شخصه فقط، بل تمثل وجهة نظر غالبية الشعب، فكانت أولى المعاناة بحرقه مع أول كوب للشاي: 
كنت مجندا في الجيش العراقي في الوحدة الطبية، ومن ضمن الجرائم التي كنت شاهدا على حدوثها حالي كحال سائر الوحدة، كانت حرق الأهوار في سنة ١٩٨٩، من قبل الفريق عبد الواحد شلاش وذلك لقتل كافة المعارضين لنظام الحكم، وبعد مرور سنتين وبالتحديد بعد انتهاء ثورة ١٩٩١، قام الرئيس حينها بدفن الأهوار لتهجير سكانها، للقضاء على آخر أنفاس المقاومة، غير مبال بهدر الثروة الوطنية للأهوار.
بعد أن أنهينا شرب أول كوب للشاي، بدأ إكمال باقي الحديث عما حدث بعد واقعة الغوغائين، كما كان يدعوهم النظام البعثي آنذاك، وقال إن الناس في ذلك الوقت بدأت الهرب إلى خارج العراق، عن طريق الصحراء الرابطة بين بلدنا والمملكة السعودية، وكانت السيارات تنقل الناس إلى منطقة تدعى رفحاء، ومن هناك يتم تسفيرهم إلى دول أوربا.
تبسم ثم قال إن أحد أصدقائه قد عرض عليه الهرب معه إلى رفحاء، لكنه لم يستطع أن يترك العراق رغم كمية الظلم، وضنكة العيش تحت خيمة الدكتاتورية.
ثم أكمل بتنهيده حزينة: عانينا كسائر الشعب الذي بدأ يترنح بين جوع الحصار وظلم الاعتقالات التعسفية، لمدة ١٢ عاما من بعد الثورة الغوغائية، حتى ٢٠٠٣ عندما سقط صنم الحكم، والكل كان يتوسم خيراً من القادمين من خارج الحدود!
تساؤلات المواطن (ع.ك) كانت غريبة! رغم أنه كان يقولها بابتسامة استخفاف مما يحدث في وقتنا الحالي، حيث قال:
 من يستحق الرواتب والامتيازات؟ من اراح من عذاب وحكم الدكتاتورية وتنعم في معيشة رفحاء ودول أوربا، أم نحن الذين جاهدنا بقوة من أجل أن نتمسك بتراب الموطن؟! ومن يستحق تقاعدا وامتيازات، القادة البعثيون الذين يسكنون الخارج الآن أم نحن الذين نقبع تحت سلطة مجموعة من الفاشلين؟!
بعد أن أنهينا حديثنا تيقنا أن العراق فيه شعبان؛ أحدهما مازال يعاني، ويعتبر مواطنوه من الدرجة الثانية وربما أقل. والآخر شعب من الدرجة الأولى وربما أعلى، يمتازون بأنهم فدائيون لصدام وآخرون بجهادهم الرفحاوي وإقامتهم الأوربية.
يبقى السؤال المحير: هل من بقي وقارع النظام البائد لا يعتبر مجاهدا؟ وإن كنا لا نستحق كوننا تمسكنا بهويتنا العراقية! ألا نستحق اليوم رواتب جهادية لأننا نتحمل الحياة تحت حكم الديمقراطية المزيفة، بقيادة أشباه السياسة؟ أم ما زلنا لا نملك الروح الوطنية التي نستحق بها أن نكون مواطنين من الدرجة الاولى؟

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي