رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 11 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2331

لطفية الدليمي وسيدات زحل

الأربعاء - 26 حزيران( يونيو ) 2019

 منير العبيدي
"لست وحدي من يتكرر حدوثه أو زواله" (لطفية الدليمي / سيدات زحل)
تتكون الرواية من 35 كراسة وضعت في فصول، يروي أغلبها مصائرَ نساءٍ رافقها النحسُ الذي رمزت له بزحل فكانت الرواية "سيدات زحل".
تبدأ الأحداثُ في بغداد في نيسان 2008. و لكنها ستعود إلى الماضي القريب و البعيد مرارا. نفهم من رسالةٍ أرسلتها صديقةٌ لها، أنها عادت إلى بغداد بعد أن كان مقيمةً في عمان. صديقُتها تأمل أن تكون هذه العودة نهاية لآلامها. هذه السيدة التي ستكون محور الأحداث و الرواية، التبس الأمر عليها كما علينا: من هي و من تكون!
من هي؟
سيجد القارئ أن ما يوحي له بأنه التباسٌ ساقنا إليه تساؤل سيدةِ الرواية منذ السطور الأولى: "أأنا حياة البابلي، أم أنني أخرى؟؟ و من تكون آسيا كنعان التي احمل جوازها؟؟"، لم يكن التباساً، إنما هو تداخلٌ صنع بقصد يتعلق بمصائر تتجاوز مصير فرد، إلى مجموعة مصائر لمجموعة أشخاص، و بما أن هؤلاء الأشخاص موجودون في أزمنة مختلفة و في أمكنة متباينة، فإن هذا التداخل سيخدم على أنه أيضا عابرٌ للزمان و للمكان.
تقول: "أنا حفيدة زبيدة التميمية التي حلت ذاكرتُها في رأسي وفاضت إلي، أم تراني أنا زبيدةُ ذاتُها التي عشت واقعة عشقها الخاطف مع ناجي الراشدي زمن الوالي داوود باشا؟؟ من يؤكد لي؟؟ من بوسعه تقديم البراهين؟؟" (21).
وما تلبث أن تواصل تساؤلاتِها ببنيةٍ لغوية آسرة: "كنت زبيدة العاشقة المعشوقة ابنة السابعة عشرة التي أبلغته سر النساء، ذلك الذي آل إلي من إرث العرافاتِ ناقلاتِ الحكمة في جلجلة الأنوثة، وصلني السر نقلا عن جدة جدات أبي أمينة خان الكردية الجميلة ومن جداتي اللاحقات: صفية العربية ذات العينين الشهلاوين الشاسعتين وآيتن التركمانية وآنوش الأرمنية، قرأته في تعويذة بشكل مرآة صغيرة من الفضة وجدتُها في صندوق ثياب جدتي بين عقودٍ من الليرات الرشادية وأقراطٍ مرصعة بالياقوت وخواتم ذات طلاسم وبين عطورِ مسكٍ وذرورِ عنبرٍ وزيوت شذية" 21.
هنا نلاحظ: جعلتِ المرأة امرأةً شاملة من أصول وأعراق مختلفة.
إنها عبرتِ الزمان و المكان.
وهكذا مهدت الكاتبة الطريق لنا لكي نتابع هذا الخيط بسرورِ من اهتدى إلى بابٍ يقود لعوالم لا تزال حتى الآن افتراضية، سننتظر لنرى فيما إذا كان بمستطاع المفتاح الذي وُضِع بيدنا، فتح مغاليق القراءة المتأملة.
عودة إلى الضياع، الجوهر الإنساني
فحياة التي عادت إلى بغداد بعد الاحتلال تعيش في ظرف بالغة القسوة إذ تروي "في كل تلك الليالي والنهارات المروعة كان الشر يتنزه حولنا ويسخر منا، يغير سحنتَه كلَّ برهة، يصير صاروخا أو رجلا ملتحياً أو عبوةً ناسفة أو صديقًا يخون، ما أن نحدس اقترابَه ونتحسب له حتى يغير سيماءَه كحِرباءٍ ويكمن لنا بهيئة لا نتوقعها. (14).
ويلتبس الأمر على حياة (؟) حتى بالنسبة للأخريات فهي لم تتذكر راوية التي أرسلت لها التحياتِ عبر الرسالة فتجد أنها ستعرفُها حين تعرف هي نفسها من تكون، وتحسب أنها سوف تتذكرها حالما تفتح كراسات الحكايا التي تجد أن أطياف من فيها "تحوم حولها"..هذه الكراسات بدأت بكتابتها منذ سنوات و لكنها تفاجئ بأن الأسماء فيها تختفي، و تعود لتختفي مرة أخرى كلما أعادت كتابتها: "أنا حياة، وهذه كراساتي التي شرعت بكتابتها منذ سنوات ودونت فيها حكاياتِنا، حكاية عشقنا الصاعق، قصص الفقد وأوجاع السجن و الاختفاءات، عار الخصاء وبتر اللسان، خزي اغتصاب البنات، دونت أكثر من ثلاثين كراسة طوال كارثة الحصار وحرب الاحتلال، وكنت كلما أنهيتُ واحدةً منها وعُدتُ إليها أفاجأ باختفاء الأسماء، فتختلط الأحداث، تمّحي أسماؤنا جميعا وتصبح الحكايات منسوبة للجميع فأعيد تدوين الأسماء لتختفي مرات ومرات حتى يئست من محاولاتي..".
تُواجَه محاولةُ تخصيصِ المأساة و تبويبها برفض المنطق لنهج ساد و طغى منذ بداية الحدث يظهر وقوعها وفق تبويبات و خانات طائفية وعرقية. في النص المقتبس يمّحي التخصيص و تختلط الأحداث فارضة المنطق: إن ما يجري يمس الجميع، لا احد، لا شيء بمنجى. هنا استجابة إبداعية لمنهج مدمر: اعتماد تبويب الضحايا و إلغاء الجوهر الإنساني و الاهتمام بالهوية الفرعية حتى في الممات.
في الزمان أيضا...
وتداوم الكاتبة على لسان حياة على موضوعة ديمومة المأساة وتمظهرها مرة وأخرى بشكل عابر للزمان يتسم بتداخل الشخصيات: "أرعبتني فكرة ضياع الأسماء واختلاطها وعشت رعبًا مضاعفًا عشرات المرات، فقد يكون ما حدث لهالة في سجن أبي غريب قد وقع لي وما فعله رجال القاعدة بمنار وأهلها هو ما حدث لراوية ولعل ما جرى للمى هو ذات ما حدث لهيلين، وما فعله السجانون بأمي في أول السبعينيات قد يكون حدث معي على أيديهم في التسعينيات، ومن أعدم أخي ماجد في 1991 هو نفسه الذي خطف فتنة زوجة عمي الشيخ قيدار وأخصى طليقي حازم، زلزلتني الملابسات واشتباهي بما تبثه ذاكرتي وما تبقى في وعيي من جراح..".
ولكنها تعود وتحل إشكال الشخصية و بالتالي الزمان و المكان بـ: "فلأتقبل أولا كوني حياة البابلي ولست آسيا كنعان التي حملت اسمها في جواز سفر مزور، علي أن أنشط ذاكرة حياة وأتبع أهواءها وأستسلم لها وليكن ما يكون..". 
المصائب الكامنة
تعيد حياة إلى الأذهان مرة أخرى في حلولها و تكررها ما يمر بها في حقب مختلفة وتتساءل، فيما إذا كانت هي وحدها التي تتذكر، أم يشاركها ناجي: "هل يعرف حقيقة الأحداث التي تناوبتنا بين عشق وتخلٍ وترحال طوال مائة وثمانين عاما؟ أم أن ذاكرتي هي التي تجوب الأمكنة؟" و تعيد إلينا تناوب الحقب على بغداد التي تنوعت ولمّت الجميع، فيما اليوم لا تستطيع أن تتعايش مع نفسها. و رغم أن ما يحيط بهم كان كله ساحرا، تجد أن ما يجري، إنما يجري في "أجواء بغداد الكدرة". لماذا هي كدرة رغم كل هذه المتع؟ إنه إسقاط لما سوف يقع على ما كان قد وقع، على ما خزنته الذاكرة رغم صفاءه، فهي رغم كل أجواء الطرب و الإمتاع تقول إنها "مشفقة من فرط إحساسي بنذر المصائب" هذه المصائب التي تلوح لها" في فورة العناق وخرير اللذة المتدفق بيني وبين ناجي الراشدي".
"كان الوقت صيفا، خرج أبي صحبةَ الوالي داوود باشا يسهران مع ضيوف من سمرقند وتفليس وتطربهم في أجواء بغداد الكدرة المغنية السمرقندية فاتنة الملوك والسلاطين أفتاب خانم تترنح بهم الزوارق وسط دجلة في الريح مع عزف السنطور والعود وضيوف داود باشا يدخنون الأراكيل والأفيون الفارسي، بعضهم يحتسي القهوة الشكرلي الاستانبولية وشاي الكوجرات الأحمر من الهند أو شاي الليمون الأسود في القمرات المصنوعة من خشب الحور والتوت ونسيج الستائر الشيرازي، القناديل مضاءة في قمم النخل، وبغداد مكللة بنجوم حزينة تنذر بما يلوح وراء الليل أبعد من الغد قليلا، كنت مشفقة من فرط إحساسي بنذر المصائب التي ستضرب بغداد على عهد داود باشا وهي تلوح لي في فورة العناق وخرير اللذة المتدفق بيني وبين ناجي الراشدي، والوصائف يخدمننا ويقدمن لنا القهوة وحلوى الشكرلما و منّ السما مع مشروب الزنجبيل والنعناع..".
هذا التنوع الذي درجت بغداد عليه كان، حسبما رأت الرواية، ملغوما بالكراهية، ففيما كانت أيامها تبدو مسترخية إلا أنها كان تذخر الكارثة حتى باتت اليوم تتوارث الإقصاء و إلغاء المختلف فبعد أن "رفعت شعارات الحزب الواحد.. استبدلتها بالشعارات الطائفية" و بعد أن "رفعت صور القائد الواحد... استبدلتها بصور رجال الدين" ص 26 فقد "حرم حراس الفضائل من فوق المنابر تداول الشعر والروايات والقصص ووزعوا ملايين الكراريس المجانية التي تضم الأدعية و الابتهالات وأحكام التطهر وطرق النكاح الشرعية ونكاح الصغيرات وزواج المتعة وتزامن هذا مع تفجير المكتبات وحرق مخازن الكتب..".

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي