رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2239

توظيف السياسي للفلم الأمريكي

الثلاثاء - 9 تموز( يوليو ) 2019

د. سلمان علي الاعرجي
      بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى احتلت الأفلام الأمريكية مكان الصدارة في العالم كله وأصبحت السينما صناعة عملاقة وتجارة عظيمة وباتت كوميديات (شارلي شابلن) و(دوجلاس فيربانكس), وأفلام رعاة البقر التي تدفقت من الأستوديوهات الأمريكية تشد المتفرجين إلى شباك التذاكر في كل مكان, وظهرت كلمة جديدة في قاموس العالم.. هذه الكلمة هي (هوليوود). وعندما تأكدت سيطرة الولايات المتحدة على الإنتاج السينمائي العالمي بعد سنة 1918 أصبحت هوليوود – وظلت حتى الآن – عاصمة السينما في العالم كله. لذا فإن تطورات الثقافة الغربية وبالأخص الأمريكية على مختلف دول العالم وخاصةً الدول النامية بما فيها المجتمعات العربية من خلال ربطها بالتكنولوجيا السريعة ما انعكس ذلك على الاقتصاد وتنفيذ مخطط أمريكا للهيمنة على اقتصاد السوق العالمي وما يتبناه النظام الرأسمالي الذي يهيمن عليه الكارتلات والمؤسسات الكبيرة التي تمتلك نفوذاً بواسطة الأموال الضخمة لتكون أدوات أمريكا لفرض معايير ومقاييس وثقافتها الخاصة, وبالتالي لتسيطر على باقي دول وشعوب العالم من خلال ما تحققه التقنية للصورة السينمائية من إضافة أشكال جديدة من المؤثرات البصرية لصالح المعطى الجمالي والفكري لغايات الفلم وتسويق أفكارهم وإيصالها إلى المشاهد بشكل حسن ومؤثر وفعال. ثم جاءت التقنيات الرقمية بواسطة الحاسوب واستخدم السينمائيون هذه التكنولوجيا الرقمية لأول مرة في تنفيذ أعمالهم بالحاسوب في عقد الثمانينيات لتشكل أنواعاً رائعة من الصور للشاشة الفضية. ومنذ ذلك الوقت أتاحت أدوات متقدمة بصورة متزايدة في إمكانية إنتاج وتوزيع الأفلام السينمائية رقمياً. ومنذ البداية استخدمت التكنولوجيا الرقمية لابتكار أنواع جديدة من الصورة لذا باتت صناعة الأفلام السينمائية اليوم تعتمد في انتاجها عـلـى التكنولوجيا الرقمية في أغلب مراحل صناعة الفلم. وكانت شركة المخرج السينمائي (جورج لوكاس) رائدة فـــي المؤثرات المرئية المذهلة التي جعلت القصص الفضائية الخيالية تبدو واقعية بشكل مذهل. وهناك جيل كامل مـــن عـبـاقـــرة المؤثرات الرقمية الـمـرئـيـــة والمسموعة وأكثر من (12) شركة متخصصة هما ( ILM ) واستوديوهات (دريم ووركس) إذ أصبحت الآن الأفلام جميعها تقريباً تمر بمرحلة رقمية في وقت ما من عملية انتاجها. لذا أصبح للحاسوب دور فعال ومؤثر في صناعة الإبداع السينمائي عموماً والسينما الأمريكية خصوصاً من إبهار وتشويق, كذلك أسهمت التقنيات الرقمية الحديثة في نشر ثقافة عالمية موحدة عبر مختلف وسائل الإتصال السمعية والمرئية, على حساب الثقافة الوطنية, فالحاسوب وشبكة الانترنيت أصبحا في متناول الإنسان العادي, وامتد تأثير التكنولوجيا الرقمية الى التسويق عبر شبكة الاتصالات العالمية بالحاسوب (الانترنيت), وفي الوقت نفسه يحدث عالم التكنولوجيا والالكترونيات الرقمية ثورة في أسلوب دخول وسائل الإعلام الجماهيرية إلى كل بيت, فالأطباق اللاقطة والأقمار الصناعية تعمل على وصول الأخبار وأنماط ونماذج جديدة من الحياة إلى المنازل.
ان الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك 65 بالمئة من المادة الإعلامية الميدية العالمية نموذجاً كونياً للحداثة يحمل القيم الأمريكية التي يذيعونها. واتخذت أمريكا التفوق التكنولوجي والعلمي واستثمرته في مجال الإعلام والاتصالات السمعية والمرئية وغيرها, ومن ثم السيطرة والقدرة على الغزو الثقافي وتسويق الأنموذج لنمط الحياة الأمريكية, وامتداد للثقافة الأمريكية التي انتشرت في العالم, وأصبحت الفجوة العلمية والتقنية كبيرة بينها وبين دول العالم. والتفوق الاقتصادي أيضاً. وظهرت تكنولوجيا جديدة في مجال الإتصــالات متعدد الوسائط : multimedea. لذا تختلف هذه التكنولوجيا عن غيرها من وسائل الإتصال. فهي تقدم خدمة بتجميع مختلف المعلومات من وسائط مختلفة وعرضها بشكل متجانس في نسق معرفة موحدة, والبرنامج الحاسوبي يؤثر بشكل فعال في المستخدم لما له من قدرة على عرض هذه المعلومات من مصادر ووسائط مختلفة؛ فالحاسبات الحديثة المجهزة بإمكانات الملتيميديا قادرة على إصدار الأصوات, وعرض لقطات الفيديو والرسوم المتحركة بدرجة مقنعة مـــن الجودة مــمـــا يحولها إلى أدوات لإنتاج البرامج التثقيفية والإعلامية والترفيهية وعرضها فضلاً عن وظائفها التقليدية. وهذه الأشكال ليست حكراً على الحاسوب وحده بل تشارك فيه السينما, ووظف صانع الأفلام تقنيات هذا النوع من الحاسوب من أجل تخزين الملفات لتسهيل العمل في مراحل إنتاج صناعة الفلم السينمائي كلها, فالحاسوب أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأفلام المتطورة تقنياً وفنياً, من المؤثرات البصرية والخدع والإضاءة وبرمجة الكاميرا خلال الحركة واختيار الألوان وتوفير الأبعاد الثلاثية إلى مؤثرات لانهاية لها. وتنفيذ أشكال جديدة وسرعة الدقة, فضلاً عن استخدام الحاسوب لعرض الأفلام السينمائية والتلفزيونية لكل ما هو جديد. ولتكون أكثر تأثيراً, وكانت هكذا أفلام قد بدأت بداية حقيقية في سلسلة أفلام (حرب النجوم- 1977) للمخرج (جورج لوكاس) والتي استمرت إلى الجزء الخامس. والذي استخدم فيه كل ما أتاح له من تكنولوجيا جديدة من مؤثرات بصرية وسمعية تتسم بالإبهار والخدع, وذلك من أجل التشويق وإثارة المشاهد, حتى يحصل صانع العمل لما يريده من تسويق افكار.
إن كل فلم يتم إنتاجه من مؤسسات صناعة السينما في هوليوود يحمل من دلالة ومعنى خاص به يرتبط بموضوع الفكرة. ومن هذا كله فإن صناعة الفلم الأمريكي المعاصر منذ بدايته إلى الآن, وخاصة بعد ظهور نظرية العولمة التي اخترقت الحدود بين الدول ليتحول العالم إلى سطوة أمريكا ونفوذها التكنولوجي في مختلف المجالات, فهي كما يقول (بنجامين ر. باربر) بأن العولمة "تمثل الحتميات الأربع التي تشكل دينامية عالم الغرب, وهي: حتمية السوق, وحتمية الموارد, وحتمية المعلومات والتكنولوجيا وحتمية البيئة التي تسهم جميعها في تصغير العالم والحد من بروز الحدود القومية. فإن هذه العولمة أثرت بإنتاج الفلم الأمريكي, من خلال تسويق أفكارها إلى العالم ومن ثم ليتعدد تفسير ما تنتجه من تعدد المتلقين. وذلك من خلال نشر هذه الكم الهائل من إنتاج الأفلام للسيطرة على العالم, وفقاً لفلسفة أمريكا البراغماتية, فيما عدا القلة القلية من الأفلام وصناعها الذين أفلتوا من قبضة هوليوود الفولاذية ذي التوجه التجاري البحت, لذا استخدموا كافة التقنيات والتطورات التكنولوجية لتوظيفها في الفلم, لجذب العدد الأكبر في أنحاء العالم. لأجل ذلك أضحت الصادرات الإعلامية لا سيما السينمائية والمعلوماتية في القرن الحادي والعشرين هي المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي بالنسبة للولايات المتحدة. 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي