رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 18 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2239

التفاصيل واليتوبيا السوداء في (نوتنغهام) لـ قصي الشيخ عسكر

الأربعاء - 10 تموز( يوليو ) 2019

د. عبد الرحيم المراشدة*
     إن منتج الخراب وتلوث الحيوات، وفساد الأنسنة قد يصاحب بعض التحولات في مسيرة الإنسانية، وذلك من وجود الصراعات الطبقية والاجتماعية والفكرية في هذا الوجود، وهي إشكالية قديمة قدم الإنسانية، نقول ذلك لأن هذه الرواية جاء السياق الزمني لها محايثاً لظروف أعقبت الحروب، وبدت الشخصيات فيها تتوزع بين حضارتين، شرقية وغربية، وبين قديم وحديث، ومن خلال ظروف عصفت بيها، لا سيما الحروب والمآسي التي أعقبت الحروب الطاحنة المأسوية في البلاد العربية، التي تخللها صراع فكري، وديني، وإيديولوجي، واقتصادي...إلخ. مثل هذه الرؤية تتعمق من خلال حياة الشخوص والاحداث المواكبة لها في مدينتين رئيسيتين، راحت تشكل الفضاء الغالب على الرواية، فضاء بغداد وفضاء نوتنغهام، ومثل هذه المدن عندما تمر بها المآسي والحروب والصراعات، من الطبيعي ان يصيبها التلوث، وتتأثر بفضاءات عابرة لها عرضياً، لا سيما وأن العراق تعرض للغزو الغربي، وكانت الحضارة الغربية، والمدينة والمدنية الغربية حاقدة على بغداد، التي تمثل مدينة عربية إسلامية، شكلت حضارة متقدمة للحضارة العربية المعاصرة.
     الرواية التي بين أيدينا، تقدم للقارئ بعض المدن التي أصابها وباء الديستيوبيا الفاسدة، أو السوداء، حيث تظهر مدينة نوتنغهام، حافلة بشوارع البغاء، والتعاطي بتجارة الجسد الأنثوي، وجعله سلعة، تماما كما يقع الجسد الذكوري ضحية لسلوكيات مثل هذه المدن، في جوانبها المظلمة، "يرى عبدالغني أن ثيمة الدستوبيا (أدب المدن الفاسدة) ليست جديدة في الرواية العربية، إذ نجد بعض ملامحها عند نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، والشرقاوي وغيرهم، بل يمكن أن نجد ملامح لها في كتب التراث، وبالذات التراث الشعبي، لكنها أضحت أوضح في السنوات الأخيرة، حيث أن هذا النوع يستدعي الشعور باليأس والإحباط الذي يشعر به المبدع في مواجهة العنف والقمع  واللا أمل" (20).
    إن هذا اللون من الأدب يأتي في زمن يضج بالصراعات والحروب، فلطالما اشتغلت الذاكرة البشرية على مثل هذه الكتابات التي تتأثر سلبا أو إيجابا بحرية الواقع والتاريخ، ومنذ العصور القديمة. ويمكن الإشارة هنا إلى البداية التي كانت مع أفلاطون صاحب نظرية “المدينة الفاضلة” باتجاه “اليوتوبيا، فكان هناك استشعار لوجود المدينة الفاسدة الخبيثة مقابل الفاضلة، وإن كان الأمر نسبيا، ومع تقدم الحضارات نجد في الآداب العربية مصطلحا مهمّا يمس هذه الظاهرة “المسكوت عنها”، كما يقول الناقد، وهذا يشي موضوعيا بتسليط الضوء على كل ما هو غير عادي من عذابات الإنسانية المختلفة، لا سيما تلك التي تتحدث عن اختراق التابو والمقدس من دين وسياسة وأخلاق.
    يمكن الإشارة هنا، لتوضيح المسألة، إلى أنه في العصور العربية القديمة حدث كثير من الاختراقات التي تنتهك المبادئ الإنسانية النظيفة، وقد رصد غير واحد من الكتاب العرب مثل هذه الممارسات وأخفوها ثم قُيّض لها الظهور بعد ذلك، عندما حان الوقت لظهورها. وعلى سبيل المثال الاختراقات التي حدثت عبر الحضارات الإسلامية، وما أعقبها من توسع جغرافي وفكري، ومن أبحاث جريئة معاصرة كالتي صدرت وتناولت موضوعات ساخنة في هذا الجانب، ونظراً لحساسية هذه المسائل فقد اعتبرت من أدب الديستوبيا مثل كتاب “الجراحات والمدارات” الصادر عام (1991) للكاتب التونسي سليم دولة، الذي يتناول فيه العذابات والانتهاكات المريرة التي مرت بها العصور الإسلامية المتعاقبة، من قتل، وذبح، بأساليب لا إنسانية، بالإضافة إلى كتاب آخر صدر في مطلع التسعينات من القرن الماضي للباحث العراقي يحيى الجبوري بعنوان “محن الشعراء” الذي عرّى من خلاله وسائل التعذيب اللاأخلاقية عبر العصور الإسلامية. وتبعاً لذلك يمكن أن نضيف في هذا الاتجاه مثل هذه السلوكيات التي أصابت الإنسان العربي في العصر الحديث، تحت ظل الحضارة العرجاء التي أسهمت في جانب منها في إشاعة الفوضى والحروب، والقتل والدمار، ومن الطبيعي أن تجد الشريحة المثقفة، الجور والظلم والقتل، وتمر بمراحل من المآسي وأجواء الفساد والتلوث.  
     إن شريحة الطلبة، التي هي من محاور هذه الرواية، وشريحة النخبة الأكاديمية التي تبرز بشكل جلي في الرواية، قد تعرضت للآلام والعوائق والظلم، حتى أن بعضها ذهب للانخراط في الفساد، أو نوبات الفعل المعاكس لمحاولة إثبات الذات والوجود، لا سيما في أجواء اغترابيه على المستويين، المادي والمعنوي، فالطالب أو الاكاديمي الذي ينتقل ويجبر على التواجد في مكان لا يليق به، قد يفرض عليه الفضاء الجديد سلوكاً لم يعتده من قبل.
      مثل هذا الوسط المأزوم كان من الطبيعي أن ينعكس على الأدب، فظهر أدب الديستوبيا. وإذا أردنا التأريخ مثلا للأدب المعاصر حول هذه الظاهرة، نجد غربياَ رواية جورج أورويل (1984)، وفي وقت لاحق، وتحديدا في السبعينات من القرن الماضي هناك رواية (رحلة ابن فطومة) لنجيب محفوظ تقع ضمن هذا المنحى لما فيها من مرجعيات ناقدة للسلطات المهيمنة التي ترتكب الكثير من المحرمات والجرائم، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الروائي العربي صبحي فحماوي في روايته (الإسكندرية 2050) وفكرتها الاستشرافية، حيث أفاد فيها من حركية الديستوبيا المعاصرة التي ضربت العالم العربي وهزته من أقصاه إلى أقصاه، بدءا من الهزائم المتتالية للعرب أمام الكيان الصهيوني، مرورا بثورات الربيع العربي ووصولا إلى ما نحن عليه اليوم.
      للتمثيل على هذا الاتجاه في الرواية يمكن الإشارة إلى عدة مواقع فيها، فمنذ النص الافتتاحي، والعنوان، يضع لنا الروائي عتبة صادمة، ومفارقة في الوقت نفسه، ذلك أن المفارقة تستدعي التأمل والقراءة الفاحصة، تأتي المفارقة من خلال وضع مدينة حضارية تمثل قمة الحضارة الغربية، وهي نوتنغهام في علبة اللشمانيا، حيث العلبة المخبرية هنا مكان محدود ومختزل، فبدت المفارقة من خلال وجود مدينة من هذا القبيل في بيت مرضي وبائي قاتل، لتصبح في دلالات الميتا نص مثاراً لتصوير المدينة الملوثة، التي أريد لها أن تكون كذلك، وليس هذا فقط، بل وتكون مجالا لنقل الوباء، ولهذا يبدو الحرص على محاولة الإنسان من الإحاطة بها، وخنق المرض وسلوكيات هذا المرض الخبيث، كما لو يسعى الإنسان لرفض مثل هذه المدن في داخليته، وجوانيته التي تحاول العودة للنقاء والشفاء، ومن هنا كان التركيز على أن تكون غالبية الأحداث في مثل هذه الفضاءات، حيث بدأت في بغداد من جانبها أيضاً السلبي خلال الحرب ومنتج الحرب، وبانتقال بعض الشخصيات إلى نوتنغهام تزداد الأمة تعقيداً، حيث يجد المتلقي فضاءً موبوءاً وإن بكيفيات مختلفة، حيث الفساد يدب في أخلاقيات الإنسان، مدينة تبتلع الطلبة القادمين إليها، ويعملون في أماكن لا تليق بهم، أحياناً فتجعلهم ينحرفون في سلوكهم، وكان الروائي واعياً لهذه المسألة، فأشار إلى نمطين من الطلبة، نمط يسعى للملذات، فيذهب للملاهي ودر البغاء، والخمرة وما يفسد الذاكرة، ونمط قليل جداً يسعى للعلم والمعرفة، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وباء الفساد الحضاري الزائف.
     ومثال آخر في الرواية يتجلى في مسألة التطوع للحرب، فالطلبة الذين يذهبون للعلم والمعرفي في المدن الغربية، لا ينشغلون فقط بالعلم، وإنما يكافحون في الغربة، ويكافحون عند العودة في زياراتهم للوطن، وقد يتعرض سعيهم للعلم بعوائق كبيرة، من خلال إرسالهم للجبهة في الحرب التي أشارت إليها الرواية، تلك التي حدثت بين العراق وإيران، ومزقت الجسد الاجتماعي، وكيان الدولة، وأشعلت الفتن في البلاد، فكانت الحرب الأهلية المقيتة، في مطلع الثمانينيات، فكانت بغداد من هذه الناحية، وخلال هجمات التحالف، فيما بعد، تشكل نمطاً للمدن التي يمكن إدراجها في سياق محدد تاريخياً ضمن مدن الدستيوبيا السوداء، ومثل ذلك فضاء المدن الإيرانية، في السياق ذاته التي اشتركت في الحرب.      التفاصيل الواردة في هذه السرود، وعلى لسان الراوي الذي يستبطن عوالم الشخصية هنا تشي بمعطيات المدن الفاسدة المليئة بالموت والرعب والقفر واليباس، ولعل المضمر خلف السياق، الذي يقع في مساحة الميتا نص وتركه الروائي ليحيل إلى ما يمكن تخيله عن الصراع العربي العربي، والإسلامي الإسلامي، والفتن التي فعلت فعلها في بنية التفكير الإنساني، وما قادت إليه من تراجع حضاري، إضافة إلى صراع الإيديولوجيات، واختراق بنية التفكر العربي لإعاقة التقدم. فمثل هذا الكلام يظهر من السياق والتلفظات السابقة من مثل: (ليست جوستينا وحدها تتهمه بالانفصام أو الكذب، فبعض ما رآه وأبصره لا يقدر أن يذيعه.. كان يأمل لو أنه قتل) فما يضمره هذا النص لا يقوى على عقل بشري أن يتقبله، ويبدو الأسوأ في التفاصيل للجثث وتشظيها وتناثرها في ساحة المعارك والمواجهة، وقتل الإنسان لأخيه الإنسان، هنالك أشياء مرعبة أضمرها ويصعب البوح بها لبشاعتها، ولهذا تتمنى الشخصية الموت على أن يسرد ما رآه في الحرب، وفي ذاكرته يتذكر أنه في نوتنغهام وعقله يتوزع بين عالمين، غرب وشرق. هذه التفاصيل الكثيفة المشبعة بمعطيات كامنة تحسب للروائي قصي عسكر لتمكنه من نقلها واختزالها، وبالتالي تثوير ذاكرة المتلقي ليتمثل ما يحيل إليه السياق، وكل ذلك يصب في بنية السرد الروائي في مثل هذا النمط من الروايات والنصوص القصيرة.
 *استاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة عجلون الوطنية، الأردن.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي