رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2294

مبرّرات إصلاح الأمم المتحدة

الخميس - 11 تموز( يوليو ) 2019

د.سلمان علي الاعرجي
      أصبح التغيير احدى سمات عصرنا الحاضر، وهو ما يشير وإليه الإيقاع المتسارع لعالم اليوم الذي تزيد العولمة وقوده سعيرا. ولم يكن لمنظمة الأمم المتحدة أن تنأى بنفسها عن ذلك فقد تعالت الأصوات وتزيدت المطالب بضرورة إدخال إصلاحات جذرية على هياكلها الأساسية، ناهيك من آلية عملها. وباستثناء التغييرات التي طالت بعض مواد ميثاق المنظمة الدولية في خلال فترة امتدت أكثر من نصف قرن هي عمر المنظمة اي المواد 32 و72 و61 و109 والتي تتعلق بتوسيع عضوية مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومؤتمر مراجعة ميثاق المنظمة، فإن هذه لم تنل الوضع التمييزي للدول دائمة العضوية بمجلس الأمن.
لقد تشكل شبه إجماع على أن سبل تحقيق غايات ميثاق المنظمة وأهدافها يجب أن يعاد النظر فيها بحكم تغيير والزمن الذي أتى على كثير ما ينظر إليه على أنه من الثوابت، ودون أن يؤثر ذلك على أهمية الميثاق كأداة لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، فأحادية القطبية لم تكن معروفة، كما أن الفجوة بين الشمال والجنوب ازدادت اتساعا، وقائمة المتغيرات طويلة.
1- الهيمنة الأمريكية المنفردة وانعكاسها على الأمم المتحدة
في الوقت الذي انهار الاتحاد السوفياتي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحقق أكبر قدر من الانتشار العالمي ومن النجاحات والانتصارات السياسية والاقتصادية، وتستغل التحولات الدولية لتزيد من حضورها وصعودها الدولي، كدولة وحيدة تتمتع بكل مواصفات ومقومات الدولة العظمى والقوية. ويعبر صمويل هنتنغتون والدكتور محمد حسين هيكل عن ذلك بالقوة الأوحد أو القوة الانفرادية ـthe only super power في القرن الحادي والعشرين، بدلا من القوة الأكبر، التي استمرت عليها منذ انتهاء الحرب الباردة، طوال العقد الأخير من القرن العشرين .
هذا التفرد في الهيمنة الأحادية على العالم، استمرار لقرابة العقدين من الزمن، ولقد انعكس تغير هيكل النظام الدولي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وهيمنتها الانفرادية على العلاقات الدولية من خلال عسكرة أزمتها، فضلا عن تجاهل وتهميش الأمم المتحدة؛ فعلى صعيد علاقة الولايات المتحدة بالمنظمة الدولية، أدت الهيمنة المنفردة للولايات المتحدة الأمريكية على شؤون العالم، إلى تجاهل وتهميش للمنظمة الدولية، والدعوة إلى الإصلاح وفقا للرؤية الأمريكية. وفي تفسير اللامبالاة التي تبديها الولايات المتحدة الأمريكية للمنظمة الأمم المتحدة يقول "كلايد برستون ويتز" رئيس معهد التخطيط الاقتصادي في واشنطن: "إن أمريكا تتصرف بطريقة أن العالم يحتاجنا أكثر مما نحتاج نحن إليه... وذلك لم تتردد في تكريس أحاديتها وهيمنتها على العالم، من دون أن تكترث بالرأي العام العالمي الذي صدمته مواقفها إزاء قضايا، مثل الاحتباس الحراري أو اتفاقية كيوتو أو المحكمة الجنائية الدولية". وفي هذا الصدد يعبر جون بولتون الممثل السابق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، عن موقف بلاده من المنظمة بقوله: لا توجد أمم متحدة وإنما يوجد مجتمع دولي تقوده الولايات المتحدة. منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وضعت الإدارة الأمريكية مجلس الأمن أمام أحد خيارين: إما إقرار الخطوط العامة لسيادتها، أو تجاوز وجوده، وبذلك نصبت نفسها بكل المعاني فوق هذا المجلس. فمواجهة الأخطار التي تهدد الأمن الأمريكي أهم من موافقة الأمم المتحدة.
2- ظهور قوى كبرى جديدة:
إن تميز النظام الدولي باستفراد الولايات المتحدة ليس الوحيد بالإضافة إلى ذلك نجد بروزا كبيرا للصين، واليابان، وأوروبا كقوى كبرى جديدة إذ ازدياد حضور اليابان كقوة اقتصادية متنامية تتطلع إلى القيام بدور سياسي كقوة على الساحة الدولية. إضافة إلى ما سبق من تحولات عالمية، ظهور فاعلين جدد كراس المال والدين والاديولوجية والفقر والصحة والبيئة... إلخ. واليوم لا يوجد فقط حكومات وطنية، وتحت وطنية، كما يعبر بها الباحث الأمريكي "جي.أي.ترنت " J.T.TRENولكن يوجد منظمات فوق القومية ومنظمات إقليمية ومنظمات بين الحكومات والمجموعات الموجودة تحت الدول، القضاة، والبيروقراطيون وأصحاب البنوك، من دون نسيان التنظيمات الإرهابية وتجار الحروب.
وكل هؤلاء الفاعلين يقومون بأدوار دولية فيتجاوز أثرها الجماعي اليوم في الأحداث العالمية أثر الهياكل الدولية التقليدية. فتزايد المشاركين الجدد وتقلص دور الدولة، قد دفع الكثير من المحللين إلى التساؤل حول إذا كان الطابع الحكومي البحت للأمم المتحدة ما زال متماشيا مع نظام دولي يتجه شيئا فشيئا نحو تقليص دور الحكومات.
3- بروز قضايا دولية جديدة:
أ- أدت التحولات التي عرفها النظام الدولي إلى بروز قضايا دولية جديدة كصراعات الإثنية، والإرهاب الدولي، والتلوث البيئي، والجريمة المنظمة، والمخدرات والطاقة... فهذه المشاكل خرجت عن السلطة الوطنية للحكومات ومن ثم تتطلب المعالجة الفعالة، من خلال العمل الجماعي، ولكن هناك اختلافات بين الدول في طريقة مواجهتها، وكل ما سبق يحتم إصلاح الأمم المتحدة وآليات عملها.
ب- لقد أدت التحولات السابقة في النظام الدولي إلى تأثيرات عميقة في الأمم المتحدة، سواء بالنسبة على قضايا حفظ السلم والأمن الدوليين، أو على مستوى أدائها ودورها الاقتصادي الذي تراجع لصالح منظمات أخرى، وهو مشكلة مبررات أخرى لإصلاحها، فمثلا بتأسيس منظمة التجارة العالمية في 1995 التي تتولى إدارة نظام التجاري الدولي ابتعدت الأمم المتحدة أكثر فأكثر عن المجال الاقتصادي والتجاري.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي