رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 25 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2260

سانتا المرعب

الاثنين - 5 اب( اغسطس ) 2019

جيلار بودامينتسكي* 
* أغلق سانتا بابه الأمامي وجلس في زحافته واستعد لينطلق فقد تأخر قليلا. ولم يمر عليه أكثر من دقيقة أو اثنتين حتى ضرب جبهته بيده، وقال:"آه، ايها العجوز الغبي، لقد نسيت ربط الوعول!".
ربط الوعلين، وقفز في الزحافة وانطلق أخيرا. وبعد دقيقتين أيضا ضرب جبهته مجددا وقال:"آه، أيها العجوز المغفل. لقد تركت الهدايا مكومة في البيت". عاد بالزلاجة، وحزم الهدايا فوق الزلاجة وكان على وشك أن يستقر على مقعده حينما لطم جبينه. ابتلت يده بالعرق المنهمر من وجهه البدين. وعاد إلى البيت من أجل حمام سريع. تخلى عن حقيبته، ومعطفه الأحمر، في غرفة المعيشة ونظر من النافذة الأمامية ليراقب الوعلين الواقفين بصبر عند الرصيف. تعرى من ثيابه في الحمام، وقفز الى الدوش وفتح الصنبور ولكن الانابيب تنهدت بعمق ولم تنقط قطرة ماء واحدة. انحنى سانتا على الجدار الرخامي، وقال بحسرة:"ماذا الآن؟. آه، أيها الغبي العجوز". ثم لطم جبينه، وتابع:"نسيت أنك أغلقت صمام المياه الرئيسي قبل أن تغادر". التقط سانتا معطفه المصنوع من الفرو، ولفه حول جسمه الضخم الأبيض، واقترب من حفرة التحكم في الحديقة الأمامية ليفتح منفذ المياه. نظر الوعلان المربوطان فيما  حولهما ليفهما ماذا ينوي أن يفعل؟. لف سانتا المعطف وقفز للخلف. صفرت رياح جليدية حول الأجزاء العارية منه وتناثرت بفعل حركات خفه بلورات الثلج وتسللت من معطفه. ثم  تقدم من مدخل الصالة وتخلى عن ثيابه مجددا، وبسرعة هبت غيوم من البخار المندفع من الحمام. وقبل أن يكون لديه الوقت ليلطم جبينه، قال:"آه، تركت الصمام أيها الغبي العجوز مفتوحا". اختلس خطواته بالخف المنزلي، ولكن قبل أن يصل إلى الحمام تمزق واحد من خفيه، ولولا حامل النبات النحاسي المهترئ لسقط وتدحرج بالتأكيد في الصالة من طرف لطرف. تخلص من خفه الثاني وانتظر لقسط من الثانية وقال:"لماذا يحدث معي هذا يا إلهي!". صاح من وراء البخار وقفز بقدمين عاريتين نحو الحمام. كانت المياه تهدر وتتساقط من الدوش، والأرض تسبح بطبقة سميكة ولزجة، فخبط خبط عشواء نحو الخزان الحار والساخن. حتى الوعلين التفتا ليريا من أين مصدر هذا الصياح. لم يكن بمقدور الوعلين أن يتخيلا ما يحدث لسانتا. فقررا أن ينطلقا، ويجرا الزلاجة وما فيها، باتجاه نافذة الصالة ليريا ماذا يجري بالضبط. كان الزجاج مغطى بالبخار من الخارج، وكل ما بمقدورهما رؤيته في هذا الضباب مجرد خيال سانتا العاري، وهو يقفز بقدم ثم أخرى. نظر الوعلان فيما بينها، وتنهدا ثم حاولا أن يعكسا اتجاه الزلاجة. عموما، نسيا الهدايا المكومة خلفهما، وما سيتبع ذلك من مشاكل إذا ما ناورا بالزلاجة. ولكن مهما حاولا، لم تكن حوافرهما تجد مستقرا لها على الثلوج. في البداية انزلق الوعلان ثم بدأت الزلاجة تتحرك، ببطء أولا ثم زادت سرعتها كما لو أنها انطلقت وبالعكس على طول السفوح. وتماسك كلاهما بالحياة الغالية ولكن كل ما نجحا فيه هو الإبطاء لأنه لا توجد طريقة لتوقيف الزلاجة الآن. في نفس الوقت، كان سانتا يرقص حول البيت، ويبدو أشبه بقريدس بينما زلاجته في طريقها إلى أسفل التلة. فتح سانتا باب المجمدة وحمل كيس بروكولي بيد واحدة وكيس أجاء رقيقة من الدجاج باليد الأخرى وضغط كليهما على بطنه المتألمة. وأطلق تنهيدة ارتياح عميقة. ولم يستغرق غير لحظة عابرة فالفيضان توقف والصنبور مغلق. ألقى من يديه الطعام المجمد وأسرع عبر البخار نحو الحمام. كان الماء قد برد على الأرض وتسرب من تحت الباب.
 قال في ذهنه :"ماذا ستفعل؟. ماذا يجب أن تفعل؟".
صاح:"آه أيها الغبي العجوز. أين بذتك المضادة للبلل". لم يكن ينوي هدر وقته وأسرع نحو الباحة ثم هبط إلى القبو ليحمل عدته. وعاد أدراجه إلى الداخل، وتوقف للحظة حتى أغلق بابه خلفه. شعر في الخارج بشيء ليس في محله تماما، ولكن لم يفلح في تحديده. فكر وهو يرتدي ثيابه المضادة للبلل:"لم يعد لدي وقت، يجب أن أنطلق الآن". ثبت ثيابه وارتدى قناعه على وجهه وعدل من وضع الأنف للتنفس. لم يكن بمقدوره أن يرى بوضوح من خلال ستارة الضباب التي ترسبت على القناع، لذلك نظف الزجاج بيده اليسرى وبحث عن الصنبور باليد اليمنى. وتلمس الصنبور الحار، وقبض عليه ثم فتحه مثل إنسان لا يريد أن يغتسل بعد الآن. وانهمرت المياه ثم توقفت. تخلى سانتا عن قناعه، وتعثر خارج الحمام وسقط مرهقا على الأريكة. وسرعان ما مات البخار الحار داخل الغرفة الباردة وتسنى لسانتا أن يمسح آخر قطرة أمامه. ثم فجأة تذكر الأمر الغريب الذي شاهده. ترك الوعاء خلفه وتسلل إلى الخارج ولكن لم يجد أي إشارة تدل على الزلاجة.  بعد أن ركض في الشارع لمح الزلاجة وهي تنطلق على السفوح ويجرها زوج من الوعول المضطربة. ضرب جبينه وقال:" آه، أيها الغبي الأحمق، نسيت أن تثبت الوتد". وهكذا أسرع نحو أسفل التلة ومعه كل شيء. انزلق وتعثر بخفه وهو يعدو ليمسك بزمام الزلاجة الهاربة. وفي لحظة وصوله إلى الأسفل، توقفت الزلاجة وهناك كان الوعلان يقفان مثل غنمتين. كانا يعلمان أنهما سخيفان قليلا، ولكن بذة سانتا المضادة للبلل كانت بالتأكيد تساعدهما على الانشراح قليلا. وضع ذراعه حول رفيقيه المحببين وأكد لهما بقوله:"لا تقلقا، لا تقلقا، كل شيء على ما يرام".
وتساءل سانتا:"لكن، كيف لنا أن نعيد ذلك الشيء إلى أعلى التلال؟". وكان قد استعاد عصاه ذات القبضة النحاسية من الزلاجة. واستغرق وقتا وجهدا طويلا، ولكنه في النهاية انتصر على الطريق ووصل إلى البيت، وهرع إلى المرآب وأخرج سيارته الجيب إلى الشارع. وربط الجيب ببوابته الأمامية بواسطة حبلين متينين، وحرر العتلة من الواقية الأمامية وربط سلكا طويلا بطرفها. وربطها بالزلاجة، وعاد إلى الأعلى وضغط على الزر. وبدأت الزلاجة تعود إلى أعلى الهضبة. مع الوعلين وكل شيء. وأصبح الآن جاهزا للانطلاق، ولكنه كان قد تأخر لثلاث ساعات.
* بلغت الساعة حوالي العاشرة، وتبادر لذهني:"شيء ما يجب أن يحصل، ولكنني متعب جدا ولن أتمكن من الصمود وانتظار سانتا. وعموما، سانتا لا وجود له، لأنني لم أشاهده في حياتي كلها". وكنت مقتنعا أن والديّ هما من ملآ جواربي بالهدايا ، وهي في نهاية المطاف ليست إلا ثيابا غريبة. حصلت على حمام وجلست على طرف السرير بالمنامة، ولكن تعب الانتظار تغلب على عزيمتي وانطويت على الوسادة وغرقت بالنوم وأنا أفكر بكتاب الحكايات الذي كنت أقلب فيه وأقرأ عن عالم فانتازي أتقاسمه مع ساحرات شريرات، وأمراء شجعان، وتنينات وعمالقة وسانتا عجيب. وكنت دائما أعتقد أن هؤلاء شخصيات خيالية من أيام العالم المخيف ولا يمكن رؤيتها إلا إذا أغلقت عينيك وسبحت في أجواء الخرافات، ولكن لأنني لم أشاهدها بشحمها ولحمها، تبادر لذهني إنه لا يمكن أن تكون موجودة حقا. ثم سمعت دقات على الباب فرفعت رأسي من السرير وسمعت رجلا عجوزا يعتذر عن تأخره بالوصول ثم يسأل هل أنا مستيقظ أم نائم. وارتجفت بينما الخوف من الخرافات يزداد في كل أرجاء جسمي. قلت:"ماذا يمكن لعجوز أن يريد مني، الآن، وفي الليل؟". كان بمقدوري أن أتخيل هيكله الماثل. وعبّر الخوف عن نفسه بتيار من العرق الذي يجري على ظهري، وجلست في السرير، وقبضت على الوسادة وضغطتها على بطني بقدر ما يمكنني من قوة. وانفتح الباب. وطرق الأرض بوط كبير أسود وامتلأ الباب بقامة سانتا وهو يدخل إلى غرفتي. سألني بصوت مرعب وعميق رن في رأسي مثل شيء يهب من أعماق كهف أو سرداب:"مرحبا، هل كنت مهذبا وطيبا خلال العام الماضي؟".
قفز قلبي تقريبا من ببن أضلاع صدري بالرغم من ما بذلته من جهد لضبط النفس، ولم يكن بإمكاني الانتظار ولو لثانية وشهقت من أعماقي. دفنت نفسي في الوسادة وأنا أبكي وألطم ونجحت في انتزاع رد بصوت كالنواح وقلت:"كنت طيبا، كنت مهذبا". وجمدت من الخوف، واستطرد ذهني بأفكاره. وقلت لنفسي:"يا للغرابة، إن كان هذا هو سانتا، كيف سيكون شكل التنين إذا؟."
 جيلارد بودمانيتسكي : Szilárd Podmaniczky كاتب هنغاري يعمل بالصحافة. تلقى تعليمه في جامعة بودابست للتكنولوجيا والاقتصاد.
  ترجمة/ صالح الرزوق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي