رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

السبت - 7 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2328

ما هي حدود المدن المقدسة في العراق؟

الخميس - 8 اب( اغسطس ) 2019

علي الشرع
في العراق مدن كثيرة تعتبر مقدسة من وجهة نظر اتباع الديانات او المذاهب المتعددة فيه. فليس هناك اجماع من قبل جميع افراد المجتمع العراقي حول قدسية مكان ما وان كان يحظى باحترام الاخرين من غير الاتباع ويتجنبون انتهاكه في جميع الأحوال لأسباب كثيرة منها اقلها الخشية من الاقتتال بين أبناء البلد الواحد والمدينة الواحدة، ولكن الواقع انه قبل ظهور القاعدة وداعش الى العراق كان هناك تفهم راسخ لعقائد الاخرين وطقوسهم، فترى الصابئة يؤدون طقوسهم بين المسلمين، والشيعة يمارسون شعائرهم في مناطق مشتركة مع السنة. ولكن تبقى قوة معنى القدسية وامتداد مساحتها مرتبطة بشكل كبير بالشيعة نظرا لوجود مدن - وليس كنائس او معابد او مناطق محددة - توصف انها مقدسة كونها تحتوي على ضريح احد أئمة اهل البيت عليهم السلام، ويؤخذ احياناً اسمها من اسم صاحب الضريح او اسم واقعة ما كما في كربلاء او الكاظمية. فصار لزاماً على الجميع ليس فقط احترام الشعائر بل احترام المشاعر بين أبناء البلد، ونذكر كيف ان المسيحيين لم يحتفلوا بشكل علني برأس السنة بسبب تزامنها مع أيام عاشوراء عند الشيعة احتراما لمشاعر الشيعة.
ولكن ما هي حدود هذه القدسية للمكان؟ هذا السؤال اثير بعد حادثة افتتاح بطولة غرب اسيا في محافظة كربلاء التي تضاف لها لاحقة لتوسم بـ (كربلاء المقدسة) التي تعني انها واجبة الاحترام من قبل الجميع. حيث انطلقت الاستنكارات من جهات معينة دينية (الوقف الشيعي) وسياسية (رؤساء كتل وقادة فصائل مسلحة) والاعتراضات ضد المستنكرين من جهات أخرى سياسية (برلماني معروف بمواقفه وارائه الشاذة) وشعبية واعلامية. وقبل هذا الاستنكار كان من المفترض ان توضع لائحة خاصة بالملعب في كربلاء تضم اشتراطات اجراء المباريات عليه ومنها عدم القيام بأي تصرف ينتهك طبيعة المدينة كونها مقدسة حتى لا يحدث ما حدث. وقد أخطأ كثيرا مَن اعترض على ما جرى في الملعب لاسيما الوقف الشيعي؛ لأنه بقوله يشجع الناس على ما يعتقد انه منكر من الناحية الشرعية - كون ظهور نساء غير محتشمات ويرقصن ويعزفن امام الرجال تخالف أسس الشريعة الإسلامية قبل ان تنتهك طابع المدينة المقدسة - وكأنه يقول للناس افعلوا ما تشاؤون من منكرات لكن خارج المدن المقدسة! والواقع ان الوقف الشيعي ورئيسه وقعوا في حيرة، اما ان يسكتوا فيتهمون بأنهم قد ركبوا القطار الأمريكي المدني او ان يعترضوا ويستنكروا فيتهمون انهم يهدفون الى تحويل العراق الى دولة دينية، وهي تهمة جاهزة تذكر دائما عندما يذكر الفصائل المسلحة المتهمة بارتباطها بطهران. ولذا ترى ان الوقف الشيعي قبل الاعتذار (اعتذار اتحاد لكرة) واغلق الموضوع، ولو انه لم يقبل لوقع في مأزق اخر، وهو ان في بغداد توجد أيضا منطقة مقدسة وهي الكاظمية المقدسة وان لم تحمل بغداد لقب المقدسة بسبب وجود المرقد الكاظمي فيها مثل كربلاء، فلو حصل ان رقصت فيها الراقصات في افتتاح احدى البطولات ماذا سيصنع الوقف ورئيسه؟ ام ان المسافة التي تفصل الكاظمية عن ملعب الشعب هي أطول من مسافة ملعب كربلاء الى مرقد الامام الحسين (ع)؟ وزاد الامر حيرة انه لا احد من المواطنين (من الشيعة طبعا) تظاهر بشكل عفوي مستنكراً ما جرى في الملعب بل عدّوه امراً طبيعياً لا انتهاك فيه للقدسية، وان كان هناك انتهاك فيه للشريعة الإسلامية. ولكننا لسنا دولة ذات نظام إسلامي كالجمهورية الإسلامية في ايران نطبق فيها الحجاب بشكل اجباري لا اختياري وتحظر فيها الأغاني وتمنع فيها المشروبات الكحولية والملاهي بشكل رسمي كما هو حال العراق. ولعل المرجعية الدينية التي كان ينتظر منها ردة فعل على حادثة الملعب اغفلت الاشارة الى الحادثة في خطبة الجمعة من كربلاء عمداً واكتفت باعتراض الوقف الشيعي خوفا من حدوث ضرر اكبر من هذه الحادثة التي يمكن تلافيها في المستقبل، والضرر هذا هو الخوف من اتهام المرجعية بالتدخل في الحريات الشخصية وتقييدها والسعي الى تحويل العراق الى دولة ولاية الفقيه وهو ما يستبعده الفقهاء في النجف كون العراق متعدد الطوائف ويجب احترام خصوصياتهم. ولذا ترى ان الفقهاء الحاليين في النجف لم يتدخلوا في سن قانون قدسية النجف او كربلاء الذي اعترض عليه البعض (نشطاء مجتمع مدني) كونه يقيد ويعتدي الحريات ولكون تعريف النشاط او السلوك المنافي للقدسية صعب للغاية باعتبار ان عدم انتهاك القدسية يعني تطبيق الشريعة الإسلامية في المحافظة كلها لا داخل الضريح فقط وهو يعني خلق فاتيكان داخل الدولة قد يعقبها مطالب من طوائف أخرى بطريق مماثلة في أماكن أخرى من العراق قد تعرّض البلد الى الانقسام والتشتت.
وكربلاء التي اكتسبت قدسيتها كمحافظة من واقعة كربلاء هي اكبر من التحديد الفقهي الشيعي لحدود المكان الذي ترتبط به احكام فقهية خاصة معروفة (عند الفقهاء المعاصرين على الاقل) ولعل ذلك كان سبباً اضافياً لامتناع المرجعية الدينية عن الاعتراض على حادثة الملعب وتركت امر الاعتراض الى الناس ان أرادوا ان يعترضوا بطريقة حضارية ولكنهم لم يفعلوا. والمشكلة لو ان القدسية في كربلاء قيدت وحددت بما يسمى بالحائر الحسيني حسب المنظور الفقهي الشيعي لأدّى ذلك الى إعطاء الضوء الاخضر الى ان كل ما يقع خارج هذا المكان مسموح به، فتنتشر محلات القمار والخمور والملاهي الليلية التي هي مرفوضة من غالبية العراقيين لما تسببه من اضرار اجتماعية حتى اذا لم تكن المحافظة تضم ضريح لامام يقدسه الشيعة. وبقاء الامر في حدود الاعتراض فقط كان سليما من الناحية الاستراتيجية حيث انه يحقق الغرض من ناحية الالتزام المستقبلي بالحفاظ على طابع مدينة كربلاء من جهة وللبحث عن حلول من دون ان يعطل الأنشطة الرياضية في الملعب.
ولكن اللوم كل اللوم يقع على رئيس الوقف الشيعي الذي كان من المفترض عليه ان كانت القدسية الخاصة بكربلاء مهمة بالنسبة له ان ينسق ويتابع مع اتحاد الكرة موضوع الافتتاح؛ لأنه كان من الممكن ان تقع فتنة بسبب هذا الموضوع لو تطور ونزل الناس الى الشارع وحدثت مصادمات محتملة لكن الظاهر ان الوقف الشيعي ورئيسه ليس له شعبية بين جمهور الشيعة، والحقيقة ان أخطاء هذا الرجل كثرت ولابد من التفكير في تنحيته عن منصبه. وعلى السياسيين الشيعة ان يبتعدوا عن الشيطنة والتفكير فقط في كسب أصوات الناخبين فقط بشتى الطرق حتى وان ادى اعتراضهم الى تهييج الشارع او الطعن بالمعترضين كونهم يشفطون أموال الأوقاف بينما يتواجد حول المراقد فقراء يستجدون كما يزعم وكأنه لم يشفط أموال العراقيين حيث يستلم راتب ومخصصات طائلة وقاد ذلك الى افقارهم طوال تواجده كنائب في البرلمان وصله - كما يصرح هو بنفسه - بأصوات مدمني الخمور وشجعهم على التصويت له حتى تبقى الحانات مفتوحة واستيراد الخمور مستمر دون انقطاع، ومع ذلك لم يعترض عليه احد.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي