رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 25 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2260

اعراض الديكتاتورية الجديدة

الخميس - 8 اب( اغسطس ) 2019

تجد البلدان المتحولة نفسها امام ثلاث حالات، اما انشاء نظام سياسي حديث يتلاءم مع متطلبات العصر، او فوضى عارمة تدمر المؤسسات القديمة وتعيد البلاد الى حالة اللادولة، او ركوب نظام ديكتاتوري لحالة التحول وحكمه للبلاد بقبضة حديدية.
وقد لا تكون الحالات الثلاث التي ذكرناها مستقلة بذاتها، بل ربما تكون نقاط عبور نحو نظام اكثر تكاملاً مستفيدا من رحلته بالتجريب بين الديكتاتورية والفوضى الى الدولة الحديثة، والتي غالبا ما تكون ديمقراطية تحترم حقوق الانسان وتعتمد على نظام مؤسساتي يمارس العدالة بين المواطنين ولا يميز بين احدهم بالدين او العرق او اي افرازات تتسم بضعف مستوى العدالة.
الدولة العراقية واحدة من دول العالم التي تنطبق عليها بعض النظريات السياسية، فقد مرت بتحولات جذرية منذ عام ١٩٢٠ حين انهت بريطانيا سيطرة الدولة العثمانية وحاولة وضع اسس لنظام سياسي حديث، فبدأت بوضع الهيكل الجديد للمؤسسات المدنية القائمة على الغاء النظام العثماني غير المنسجم مع روح الحداثة، وارست نظاما سياسيا ومؤسسات بيروقراطية وجيش ونظام تعليمي جديد، لكنه لم يصل الى مرحلة النضج فالتجربة البريطانية واجهت بعض المصاعب بينها اسباب ترتبط بالتجربة نفسها باعتبارها لم تولد من المجتمع انما كانت مستوردة، واخرى ترتبط بالجماعات التي شعرت بضرب مصالحها الداخلية، واخرى نتيجة لافرازات النظام الجديد، مثل صعوط طبيقة العسكريين والنفوذ الذي تمتعوا به.
لم تصل التجربة البريطانية الى عمر الثلاثين حتى انهارت على يد انقلاب عسكري قاده ضباط الجيش وانهوا بذلك الحكم الملكي واسسوا لجمهورية جديدة، ورغم ان الجمهورية لم تاتي بجديد حقيقي كما فعل البريطانيون ابان انهائهم التجربة العثمانية لكنهم اسسوا لمرحلة اخرى من الفوضى بدل المؤسسات، وحكم الفرد الواحد بدل المشاركة، لتواجه البلاد عشرين عاما من الانقلابات استقرت عند انقلاب صدام حسين على احمد حسن البكر، وبداية حقبة ديكتاتورية استمرت 24 عاما، ابسط وصف لها بانها حقبة الحروب والتدمير والافقار للشعب وتبديد ثروات البلاد، من حرب السنوات الثمانية الى غزو الكويت والحصار الاقتصادي الى انهيار السيطرة البعثية على البلاد لتستولي الولايات المتحدة الامريكية على ركام الدولة، وشعب جائع ونظام اقتصادي ريعي مثقل بالديون.
جاءت الولايات المتحدة الامريكية بشعارين: الاول تخليص العراق والعالم من مخاطر الاسلحة الكيمياوية المحرمة دوليا (وهو اكذوبة) والثاني تاسيس نظام سياسي جديد قائم على الديمقراطية وحكم الشعب لنفسه وتحويل العراق الى انموذج للدولة الحديثة في الشرق الأوسط (وهو اكذوبة ايضاً)، هي جاءت لتعديل مسار التوازنات في الشرق الأوسط، والعراق خطوة أولى نحو تحقيق الهدف، لا يهم من يحكم، ولا يهم تقدم البلد او تاخره، فهو معسكر امريكي خارجي لا اكثر، ان جاع اهله نلقي اللوم على من يحكمون ونغيرهم، وان سادت الفوضى فلا يهم ما دامت تخدم سياسة عسكرة العراق.
بعد ستة عشر عام جرت خلالها اربع دورات انتخابية مع انتخابات للجمعية الوطنية واستفتاء على الدستور، تعود الحالة العراقية اليوم لتشابه ما كان يجري خلال حقبة الجمهورية الاولى، فلم تاتي واشنطن بجديد على العراق سوى الانتخابات وهي شكلية وغير مفيدة لان المناصب والحكومة يتم تشكيلها بتوافقات دولية ويبقى على قادة الداخل التوقيع فقط، الهيكل العام لمؤسسات الدولة بقي على حاله، والانهيار ازداد اكثر من ذي قبل، فقد دمر الحاكم المدني بول بريمر المؤسسة العسكرية التي بناها البريطانيون منذ عام ١٩٢١، ومعها مؤسسة الشرطة واجهزة الامن الداخلي، اما على مستوى الاقتصاد فلم يصلح الامريكيون الاقتصاد، وزادوا من الاعتماد على النفط ومعه ازداد الاعتماد على التوظيف الحكومي دون اي وجود للقطاع الخاص الا في نطاق مصلحة القوى المتنفذة.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي