رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 ايلول( سبتمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2277

رواية "أحمر حانة".. المكان بؤرة السرد

الخميس - 5 ايلول( سبتمبر ) 2019

قراءة/ حمدي العطار 
في رواية (أحمر حانة) جعل الروائي “حميد الربيعي” بؤرة السرد هي المكان، وقد قدم الاهداء “إلى .. مدينة إن لم تدخلها، كأنك لم تر الدنيا” هنا المكان (مدينة بغداد) اعتمدت السردية على (هيكل تاريخي) وحاضر يمثل فضاء زمكاني واقعي مع غرائبية الشخصيات والاحداث التي ترتبط بحبل سميك بالمكان ولو كانت هذه الاحداث في غير هذا المكان لا تسير الأمور مثلما يقدمها السارد المتنوع ” هذه الارض ملأى بالطلاسم، أنا من يفك رموزها” ص7 ، حرص الروائي ان يستخدم تقنيات ما بعد الحداثة وكان ظهور الشخصيات على مسرح الاحداث الواحدة تلو الاخرى(فتى يشبه الشيطان يهرب من ملك الموت عزائيل)
و(العرجاء) وهي التي توحي للمتلقي بعنوان الرواية (سراديب أحمر حانة) وما يتابع هذه الشخصية يتعرف على ازقة وشوارع مدينة بغداد”صارت خرائب، شيد محل الحانات أقواسا عباسية وعثمانية وكأن هذه المدينة تعود القهقري، أمجاد نصبت على عجل وسط زحام “أبي نواس” تغدو بضجيج السابلة مهملة ومنسية”ص10 (أبن الاثير) شخصية تاريخية يعود وجودها ومدى تأثيرها الى عام 1233، يصادف ظهورها نتيجة مطاردة عزائيل الى الشاب الاشقر الذي يشبه الشيطان،يعيد حساباته ابن الاثير ويجد نفسه قد قدم تزويرا لتاريخ هذه المدينة في كتابه (الكامل في التاريخ) لذلك “قرر إعادة كتابة تاريخ المدينة من جديد.. لو أن الله أمد في عمري لأكتبن التاريخ الفعلي للمدينة”ص21
اما الشخصية الاخرى فهي (ادريس) العاشق والذي صادف خروجه من بطون التاريخ ومن مملكة (ميشان) وهو الذي لم يغادر قريته منذ اثنين وعشرين قرنا ونيف،يصادف ان يكون توجهه الى بغداد وقت هزيمة الجيش من الكويت”إنه مهرجان لجنس بشري خارج من حفر وخنادق وسراديب مظلمة” ومعه السارد يقودنا الى مرآب النهضة وكراج العلاوي مرورا بجامع الخلاني وعبور جسر السنك وعمارات الصالحية ،لينتهي به الامر عند مرآب العلاوي (لقد جاءك، أدريس العاشق، أيتها المدينة، طالبا إرثه) ص32
ان شخصيات الروائي تتوفر فيها مقومات الخلق السردي، وقد كتبت السردية بلغة شاعرية ، تؤمن بإن الفكر التاريخي يمكن ان يتغير ويتطور لأن المشكلات الحالية جذورها في الماضي وهي ايضا مؤثرة على المستقبل،وترى السردية ان الوثيقة التاريخية ليست مقدسة ويمكن ان تحمل ما لم يحدث فعلا في الواقع ،ويمكن تزوير الاحداث التاريخية وتغيير النتائج من اجل التوظيف السياسي للتاريخ، لقد أعطى الروائي للكلمات قيمتها وجعل روايته كأنها الحياة التي نعيش لحظاتها و نشعر بإن الرواية هي وسيلة مدهشة .
*الشكل الادبي القوي
اعطى الروائي “حميد الربيعي” مثالا على ان الشكل الادبي الذي يتمتع بالقوة هو (الرواية) ولأنه يملك نفس أدبي جميل استطاع ان يجعل المضمون متحزما بتفاصيل عن (المكان والسكان والمعيشة في بغداد) هي نفسها الاماكن التي نمر بالقرب منها يوميا لكن بعد قراءة الرواية ننظر اليها بشغف وكأننا نسمع بها لأول مرة “لا تصدق كل ما يقال عن هذه المدينة ليس في الدنيا نظير جلالة قدرها، وفخامة أمرها، وسعة إطرارها، وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشعوبها ومحالها وسككها وأزقتها وحماماتها وخاناتها، أنها أرض الجبابرة” هناك لمسة من رهافة الاحساس التي تعطي هذه السردية عبر اللغة التي يستخدمها ضمير المتكلم وفي بعض الاحيان ضمير الغائب “انا لست سائحا يجتاز المكان وتلتقط عدسته أجمل الصور، أنا قادم إلى الغزو، مسلح بدراية كافية لإيجاد موطئ قدم، مهما كلف الأمر من مشقة”
شخصيات كثيرة
تضم الرواية العديد من الشخصيات لكن السارد سيطر عليها من خلال هارموني السرد المتقن وتداخل الاصوات والافعال، خمسة ادارسة وخمسة من آل دانيال وخمسة من اهل الكهف وابن الاثير والمرأة العرجاء “راعي الكنيسة اعتاد مجيئه كل حين، كان يراقبه عن بعد، حتى أتيحت فرصة مروره أمام الراعي، فسأله:- ماذا تعمل بني؟/ أنتظر إخوتي، لقد فرقنا الدهر/ وأين هم؟ / ـ أحدهم قواد، والأوسط مذيع فوضى، والأصغر رادود، وآخر يعتلف الحشيشة”ص126
فوضى العناوين
لا يكتف الروائي بصعوبة استيعاب عنوان الرواية (أحمر حانة) التي مرة تعني محل للسكر ونسيان العقل، واخرى قد تعني لون الدماء التي تسيل على هذه الارض على مر الازمان وثالثة قد تكون راية وعلم للثورة والتمرد والسعي الى العدالة “بعض الباعة يدللون على بضائعهم بغزل سمج، كلمات داعرة معبأة برائحة الموت القريب منهم – رمان مثل ثدي مقطوع ..يا أحمر – خيار يشبه ذراع، عتروزي ..طري/ اضحك من السخرية التي تحيل الموت إلى بضاعة للبيع،صادفني مأبون يساوم بقطعة حشيشة، قال إنه لا يتعاطى الافيون، وإن مخرجه لا يساوي شيئا أمام شمة أفيون، لف سيجارة ثم قال لي منصرفا: الموت أجمل في بلادي من سواه”ص184 سيتابع المتلقي لهذه السردية 24 عنوان ثانوي كل منها تصلح أن يكون عنوان للرواية فضلا عن عبارات تذكر تحت العناوين “انت تقف عند رسم درس،،غمرات ثم ينجلين،، لو ترك القطا ليلا لنام،،قبل البكاء كان وجهك عابسا،، لا كلمتك قمح ولا ماء به تحيى البلاد” الخ
الخاتمة
يقول هنري جميس “ان الروائي هو الشخص الذي لا يمكن أن يخسر شيئا” هكذا تعامل الروائي حميد الربيعي مع سرديته(أحمر حانة) فكانت لوحة سريالية قد تعني لنا كل الاشياء التي يمكن ان نلتقي بها (بالشارع ومع المرأة وفي السياسة، وعبر تيار الوعي وتفسير التاريخ بشكل مزيف، انها تجعلنا نرى بغداد بصورة أخرى “عندها سيقف بعيدا عن المدينة كل قبطان سفينة، وكل من ركب البحر، وعندما يرون دخان احتراقها سيصيحون: أي المدن كانت مثل هذه المدينة العظيمة؟! كانت تلبس الكتان الناعم، والأرجوان والملابس القرمزية، تحلت بالذهب وبالأحجار الكريمة والللآلئ” ص 200 .

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي