رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2294

لماذا لا نتصالح مع إسرائيل؟

الأربعاء - 2 تشرين الاول( اكتوبر ) 2019

مسلم عباس
اصبح سؤال التطبيع مع إسرائيل ملحاً الى درجة كبيرة، فهو يعني خطوة نحو السلام، وتحقيقاً للازدهار الاقتصادي للدول التي تقوم بفتح سفارتها وقنصلياتها مع إسرائيل، وللفكرة جذور واقعية في السياسية، اذ ان الحاجة الى الامن والاستقرار السياسي والاقتصادي تحتاج الى التنازل عن بعض المبادئ، فلا يمكن للدولة ان تبقى أسيرة لأفكار جامدة بحسب أصحاب هذه النظرية (نظرية السلام).
فهل فعلا أن بعض الأنظمة العربية تقوم بالتطبيع مع إسرائيل من أرضية واقعية أم ان للامر اهداف أخرى يتم تغليفها بالتصالح مع الواقع، اليس التصالح مع إسرائيل يأتي كصفقة لابقاء الحكام في مناصبهم بغض النظر عن السلام او الرفاه الاقتصادي للشعوب، واذا كان هذا الهدف منشوداً فلماذا لا يتم التصالح مع جميع دول المنطقة من إيقاف الحروب؟ لماذا يتم تأسيس التحالفات الدولية من اجل شن الحروب على دول أخرى مثل ايران ومحاصرتها وخنقها اقتصاديا وسياسيا؟
اليست من مصلحة الشعوب العربية ان نتوقف عن الحروب؟ لماذا نقدم الياسمين لإسرائيل والبارود لإيران، يقول قائل بان الأولى لم تهدد المصالح العربية، ولم تهيمن على اربع عواصم عربية كما تفعل ايران التي باتت الدولة الأولى المسيطرة على المنطقة بفعل حلفائها غير الدولتيين؟ لكن هذه الحجة لو عكسناها نجدها تنطبق على إسرائيل، فاغلب المطبعين يقولون اننا نريد التطبيع لانها اصبح امراً واقعاً فلماذا لا يتم التعامل مع ايران بهذه الواقعية؟
يعاد السؤال مرة أخرى وهذه المرة يوجه لمعارضي التطبيع، الذين يرفعون شعار السيادة والكرامة الوطنية، والذين يرفضون أي تدخل خارجي في شؤون بلدانهم، فحجتهم واضحة بانه لا يمكن القبول بإسرائيل لانها دولة تغتصب الأراضي الفلسطينية العربية، وهذا فعل ينافي منطق الوطنية والعروبة، ويتعارض مع القوانين الدولية التي لا تعطي الحق لدولة معينة بالاستيلاء على أراضي دولة أخرى، فوفقاً لهذه الحجة لا يمكن القبول بالتدخل الإيراني في الشؤون العربية حتى وان اختلف عن ذلك الإسرائيلي الذي يقوم على الاستيلاء الكامل على الأرض وطرد أهلها، فايران لا تطرد المواطنين عن ارضهم انما تقوم بتمكين حلفائها وبما يساعدها على فرض شروطها السياسية والعسكرية والتي قد تتعارض مع الثوابت الوطنين في الدول التي تهيمن عليها، حتى ان بعض حلفائها يعلنونها صراحة بانهم رهن إشارة طهران في أي حرب قد تشهدها المنطقة.
لا تستطع البلدان العربية الإجابة الصريحة عن اسئلة مثل: هل نقبل بالتطبيع مع إسرائيل لانها تسيطر على أراضينا ولاننا لا نستطيع مواجتهتها في الظرف الحالي نقوم بالتطبيع معها؟ وهل تنطبق القاعدة نفسها عند التعامل مع ايران، أي اننا سوف نعقد الصلح والسلام مع ايران لأننا لا نستطيع مواجهتها عسكريا وسياسياً، وهل ان كل تدخل دولي سواء كان اسرائيلياً او ايرانياً يجب مقاومته، ام اننا نقاوم الإسرائيلي ونقبل يد الإيراني او العكس؟
في اغلب الأحيان تجد نصف إجابة، فهناك إجابة منحازة الى هذا الطرف او ذاك، لانها إجابات لا تنبع من أساس وطني حقيقي، انما الأصل فيها الحصول على مكاسب آنية لصالح فئات معينة بغض النظر على المصالح العليا للبدان العربية مجتمعة، وهذا تعبير واضح عن حالة التشتت والضياع في المواقف العربية تجاه القضايا المحورية، فلم تعطى مسألة التطبيع حقها في النقاش، كل ما يجري هو هروب الى الامام خوفا من الفكرة في بعض الأحيان، او تبرير سطحي لها في أحيان كثيرة، وتقوم به جهات وشخصيات إعلامية.

ولا يمكن للعرب ان يتفقوا على فكرة واحدة تجاه التدخلات الدولية لاسباب عديدة وهي:
اولاً: عدم وجود أنظمة سياسية حرة تمثل إرادة الشعوب، فهذه الأنظمة اما انها استولت على السلطة من خلال الانقلابات العسكرية، او انها توارثت الحكم ولا يعنيها الشعب او الدولة التي تحكمها الا في اطار محدود يرتبط بمصالحها الشخصية.
ثانياً: تستمد هذه الحكومات شرعيتها من الدعم الخارجي، ومن ثم فان مواقفها تجاه القضايا الانية او القضايا الاستراتيجية يتذبذب بحسب مواقف الدول الداعمة لها، فان كانت مع الحلف الأوربي الأمريكي تجدها ترفض أي تدخل إيراني في شؤون الدول العربية وتغلف ذلك بشعارات وطنية، لكنها تقبل ببيع دولة فلسطين لإسرائيل ببضعة مليارات من الدولارات تحت مسمى "صفقة القرن"، ونفس الحال ينطبق على الحلف المعارض الذي يرفض أي تدخل امريكي في شؤون دول المنطقة بينما يسمح لإيران بتأسيس عشرات المجموعات المسلحة خارج اطار الدول العربية وبما يمثل امتدادات عسكرية داخل تلك الدول.
ثالثاً: غياب المفكرين والمثقفين العرب عن مناقشة مثل هذه القضايا لان الفضاء غير متاح لهم بفعل التهديدات التي قد تطالهم في حال طرحهم رؤية صريحة وواضحة تجاه كل ما يرونه من الوضع العربي، او انهم مستبعدون من المنابر الفكرية والإعلامية لذات السبب.
رابعاً: انتشار الفقر والحرمان لدى الشعوب العربية وسيادة خطاب التجهيل المعلوماتي الذي جعل من السهولة تمرير أية فكرة، فالشاب الذي لا يملك فرصة عمل لا يرهق نفسه في نقاشات عن قضايا لا تدخل المال الى جيبة الفارغ.
فهل لا زلنا مع التطبيع؟ ربما يكون الهدف من التطبيع تحقيق مصالح السلطات الحاكمة ويثبت الحكام في مناصبهم لاطول فترة ممكنة، وحتى مقاومة التطبيع تأخذ في ثناياها ابعاداً سياسية خارجية تحقق اهدافاً لدول أخرى حتى وان تمت باليات وطنية، ولا يمكننا كدول عربية ان نتخذ القرار تجاه القضايا الخارجية الا حينما نستطيع ان نحدد من يحكمنا ومن لا يحكمنا، فتحديد الاصلح داخلياً سيوجه بوصلة السياسة تجاه ما يجري خارج الحدود.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي