رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2307

غرفة سونيا

الاثنين - 4 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2019

صالح الرزوق
تأخرت سونيا عن الموعد. أخذت نظرة من السماء. رمادية. بلون الرصاص. على الأغلب أطلقوا حقنة الغيوم الصناعية. لو لا التكنولوجيا لما مرت في سماء هذا البلد غيمة واحدة. وأسرعت إلى  الهاتف لأسأل عن أسباب تأخرها. ثم بدلت رأيي.
لماذا  الأسلاك ونحن نسكن في بناية واحدة؟. أنا في طابق 8 وهي في  12. تحركت نحو الباب. كان المصعد مشغولا. ووقفت بانتظاره. كان أمامي القناع الأفريقي. بوجهه المسود. وشعره الأشعثث. وعينيه المغمضتين. أليست نكتة. مقاتل وبقناع حربي وعيون مغلقة. دائما يجد الفنان طريقة ليهرب من هذا الواقع.
سمعت صوت جرس المصعد. وللأسف كان بالاتجاه المعاكس. ويحمل  شخصين إلى الأسفل. رجل  وامرأة. وكل منهما ينتمي لعالمه. هذه البلاد تشبه الكرنفال المتنقل إذا استعملت مفردات همنغواي.
 شردت قليلا وأنا أنظر لحركة الأرقام والسهم على لوح المصعد. قلت لنفسي: كأنك في الأمم المتحدة.
وصعدت الابتسامة الصفراء لوجهي. وحتى الآن لا أفهم أي سبب منطقي لها. لم كل هذه المرارة. المفروض أن أزمتي مع نفسي قد حلها السفر ولكن ها هي المشكلة تتفاقم. وأشعر يوميا كأنني قالب من الإسمنت. حتى العاطفة التي كنت أرعاها في قلبي  تجف وتموت. وهذه الحالة بنظري نقمة. لا بد لقلب الإنسان من أن يدق لصورة أو لفكرة. ولكنه حاليا في غيبوبة  ويحتاج لإنعاش. 
وقف المصعد أخيرا.  وهبت على وجهي رائحة العنبر العطرية. أم لعله العود؟. لم يكن من السهل أن أميز بين هذه العطور. كلها عربية أصيلة.  وعادت الابتسامة الصفراء تطفو على وجهي. روائح عربية في جو  غربي. وضغطت على رقم 12. وبدأ المصعد يعرج بمشواره.
لم يكن من عادة سونيا أن تتأخر. كنا نضبط ساعاتنا على مواعيدها. نسيت أن أقول إننا تعارفنا في جامعة بولتون في الثمانينات. قبل حوالي 30 أو40 عاما. يصعب أن أتذكربالضبط. وكنا ندرس في كلية الهندسة.
هي في قسم البوليميرات وأنا في مراقبة وضبط الجودة. وكنا أيضا نسكن في بناء واحد في آش لون. هي في الطابق الثالث بعد إفريقية من الكاميرون اسمها جوزفين. وهو اسم حصلت عليه بالعماد. وربما اسمها الحقيقي أمبيكا. وكانت قصيرة بشعر أجعد تظهر تحته فروة رأسها. وأنا في الطابق الأول. بعد غرفة جوناثان. وكان إنسانا مريضا. كل يوم بعد العاشرة أسمع صوت يبكي ثم يضرب رأسه بالجدار. ألا يموت؟؟. ألا يفقد ذاكرته من هذه الصدمات المتككررة؟..
عموما في نهاية الكورس  تزوجت سونيا و سافرت   إلى موسكو بعقد عمل. وأنا عدت أدراجي إلى حلب. وتبادلنا الرسائل لفترة وجيزة. ثم بدأت رسائلي تعود لي. ولم أعرف أنها غيرت عنوانها وسافرت إلى الهند إلا بعد أن التقينا هنا بالصدفة.
أية ريح حملتها إلى تلك القارة العجيبة؟. وهل أثمر زواجها عن أولاد. أساسا هل صمدت مع زوجها؟؟. أسئلة مؤجلة. مثل المعنى المرجو لحياتنا. كل واحد منا أصبح خطة أو مشروعا غامضا. وعند هذه الفكرة قطع هذا الونولوج توقف مفاجئ. انفتح الباب. ولفحت وجهي نسمات جاءت من الممر.  ولم أشاهد أحدا. ثم تابع المصعد طريقه. 
وقت مستقطع!!. وأحب أن اسميه الساعات الرمادية. كنت أعتقد أن كل مرحلة يسبقها ركود. لكن بفلسفة سونيا: لا شيء يبدأ بشكل مطلق. وأية بداية يوجد قبلها تهيئة. وحتى محرك السيارة يحتاج لتسخين قبل أن يقلع.
ولكن دائما أسأل نفسي متى كانت السيارة مثل الإنسان. و هل القلب يتساوى مع حديد وفولاذ المحرك..
كان وجه التشبيه جائرا.  حكمة العقل الغربي عجيبة. قلت لنفسي وأنا اغادر المصعد. فقد وصل إلى الطابق 12. ووقفت في وسط الردهة حائرا. أمامي ممر طويل. أرضه نظيفة تلمع بالمطهرات. وعلى الجدران لوحات طبيعية تصور مياه الخليج.  هادئة كبساط ممدود. وكانت تلمع  مثل صفائح من حديد السيوف.  ثم بدأت أنظر بأرقام الأبواب بحثا عن غرفة سونيا.
أبو ظبي 2019

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي