رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 13 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2311

منطق شباب التحرير

الثلاثاء - 5 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2019

د. نداء الكعبي

حقيقة، ترطب أذني هذه الايام عند سماع احاديث المتظاهرين. هؤلاء الشباب الواعدون المؤمنون بقضية وطنهم وشعبهم، وكلما سمعت حديثا جميلا، يتبعه حديث اخر اجمل، حتى اصبحت لدي غبطة وفرحة بهم، حفظهم الله لنا وللعراق.
إن اجمل  ماسمعت في حياتي؛ حديث احد المتظاهرين في ساحة التحرير مع مراسلة احدى القنوات، التي اجرت اللقاء معه، وهو سائق تكتك؛ سألته: ماهي مطالبك من الحكومة؟  قال لها: بالنسبة لي لا اريد شيئا؛ لكن اطالب الحكومة بتعيين اصحاب الشهادات العليا؛ انهم درسوا وتعبوا ويجب تعيينهم. فقالت المراسلة له: انت تملك شهادة دراسية؟ قال لها: صحيح أنا لا املك شهادة ولا بيتا ولا راتبا؛ لكنني املك حب العراق؛ وثم بكى وبكت المذيعة. هذا هو جيل العراق الجديد.
لطالما كنا ننظر ونتابع تظاهرات الدول الاخرى وثورات الربيع العربي،  ونقارن بين شبابهم وتظاهراتهم، وبين تظاهرات شبابنا، ونقول لانفسنا: هل هذه الشعوب افضل منا؟ نراهم قلبوا انظمة! واطاحوا بعروش! لماذا نحن في العراق خانعين،  ساكتين عن اداء الحكومات المتعاقبة السيئ، الذي عانينا منه الويلات. فكلما خرجت تظاهرة، تخمدها الحكومات، ونرجع الى نقطة الصفر! اصلاحات حكومية وهمية! بعد كل تظاهرات واداء حكومي سيئ وهكذا. 
حتى جاء يوم ٢٥ اكتوبر تشرين الاول الحالي؛ وشاهدنا شبابا جديدا، بروح وثابة، يدرك ماذا يريد، يقول رأيه وكلمته بجرأة وقوة، فعلا يحق لنا ان نفتخر بهم، انهم شباب رووا هذا البلد بدمائهم وهم مستعدون للتضحية اكثر واكثر. شباب تخلوا عن  مطالبهم الشخصية، واصبحت قضية الوطن هي مطلبهم الاساسي. فعندما تتوجه الى ساحة التحرير وتشاهد هذه المشاهد التأريخية وصور  التكافل الاجتماعي والاقتصادي والوطني؛ تشعر بالرضا والغبطة، إذ أني سمعت أحد المتظاهرين خلال حديثه للمذيع يقول: أنا لا أملك ولا ألف دينار، ومنذ شهر وانا هنا في التحرير. ولم التحق بجامعتي، لاني متنازل عن شهادتي الجامعية حتى تتحقق مطالبنا "نريد وطن" ثم اكمل: انا جيبي فارغ، ووجدت الف دينار في الشارع هنا، لكني جهزته لا اتبرع به، ممكن احد المتظاهرين يحتاجه فأعطيه اياه.. تأملوا معي لهذه الصورة المشرقة من شبابنا، وهم يجسدون اروع صور البطولة والفداء والايثار.
 واذا إنتقلنا الى الجانب الاخر، حيث الطبقة السياسية المتنفذة على دفة الحكم منذ ٢٠٠٣ ، لم نسمع بمسؤول تبرع بألف دينار لضحايا داعش او الانفجارات او عوائل الشهداء. على العكس من ذلك هم يسرقون وينهبون ويستولون على مقدرات وخيرات هذا البلد من خلال مواقعهم السياسية والحكومية. والان يعدونا بإصلاحات مرتقبة. هل نتوقع من نفسيات متكبرة متسلطة على حكم البلاد والعباد ان تصلح ذات البين، وتغير من ذاتها قبل الاخرين، وتقدم الخير لنا ولهذا البلد الجريح، وهم متشبثون بمواقعهم؟ لو ارادوا الاصلاح او محاربة الفساد لوقفوا منذ السنوات الاولى ضد الفساد، وسعوا جادين لبناء البلد وخلق تنمية مستدامة، لكننا نقطف ثمارها الان، ولم يزج البلد بمنزلقات كهذه، وتدهور اقتصادي وتعليمي نتيجة تدهور الوضع السياسي والاداء الحكومي الذي انعكس سلبا على مختلف الاصعدة. 
فبعد هذا كله هل نتوقع من طبقتنا السياسية التضحية، ولو بألف دينار!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي