رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 5 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2327

الخطوة الماكرة

الأحد - 1 كانون الاول (ديسمبر) 2019

محمد عبد الجبار الشبوط

لو كان الامر بيدي، لرفضت استقالة عادل عبد المهدي. لماذا؟
لان الاستقالة هي خطوة ماكرة لاعاقة الاصلاح الحقيقي للنظام السياسي القائم.
لنحاول اعادة تركيب الصورة مرة اخرى لتحديد جدول الاعمال الصحيح.
النظام السياسي القائم يعاني من عيوب تاسيس عميقة منذ تشكيل مجلس الحكم حتى الان.
ومن هذه العيوب الاحزاب الفئوية والشخصية والموسمية والمجهرية ذات الكثرة المفرطة.
ومن هذه العيوب المحاصصة وما يسمى بالاستحقاق الانتخابي والتوافقية والمكوناتية.
ومن هذه العيوب التشويه المتعمد للديمقراطية والنظام البرلماني.
ومن هذه العيوب الخلط المدمر بين المسار الحزبي والسياسي من جهة، والمسار الاداري والتنفيذي للدولة من جهة ثانية.
وانتجت هذه العيوب مجتمعةً الفساد بمعناه الواسع الذي يشمل هدر اموال الدولة والاثراء غير المشروع وسوء استغلال المنصب الخ.
وادى ذلك الى سوء الاداء وتردي الخدمات والبطالة والفقر وتوسيع وتعميق الظواهر السلبية والمتخلفة في المجتمع بما في ذلك تدهور النظام التعليمي والتربوي في البلاد.
كل هذا يحتم اجراء عملية كبرى في النظام تؤدي الى معالجة عيوب التاسيس وذيولها، وتعزيز الديمقراطية في نفس الوقت.
والبرلمان هو الاطار الذي تترعرع فيه هذه العيوب والمفاسد والمحاصصة. وعليه فان اية خطوة اصلاحية يجب ان تبدا من البرلمان نفسه. ولايمكن اصلاح البرلمان دون تغيير طريقة تشكيله. ولما كان البرلمان يتشكل عن طريق الانتخابات وفق قانون انتخابي معين، فان اصلاح البرلمان يتطلب تغيير قانون الانتخابات. وفي حالتنا العراقية فان الاصلاح يبدا من الغاء طريقة الانتخاب بالقائمة (اي الانتخاب بالجملة) واعتماد طريقة الانتخاب الفردي الذي شرحته باكثر من مقال. ومن هنا جاءت دعوات المرجعية الحكيمة بضرورة الاسراع بتشريع قانون جديد للانتخابات. وكان اخر ما قالته المرجعية هو دعوة البرلمان الى "الاسراع في اقرار حزمة التشريعات الانتخابية بما يكون مرضياً للشعب تمهيداً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعبر نتائجها بصدق عن إرادة الشعب العراقي، فان التسويف والمماطلة في سلوك هذا المسار ـ الذي هو المدخل المناسب لتجاوز الأزمة الراهنة بطريقة سلمية وحضارية تحت سقف الدستور ـ سيكلّف البلاد ثمناً باهضاً وسيندم عليه الجميع."
والواضح من هذا النص ان الخطوة الاولى يجب ان تتمثل في تشريع قانون الانتخابات، ثم اجراء الانتخابات، وهذا يتطلب تنفيذ المادة ٦٤ من الدستور التي ستحل البرلمان وتحيل حكومة عادل عبد المهدي تلقائيا الى حكومة تصريف اعمال. وبعد ذلك تشكيل الحكومة الجديدة التي سوف يصادق عليها البرلمان الجديد. كل ذلك في غضون ٦٠ يوما او اقل. هذا هو جدول الاعمال الصحيح. وهو بهذا الترتيب مضر بالطبقة السياسية التي مازالت تتشبث بالسلطة وامتيازاتها. وكان من المتوقع ان تحاول الطبقة التلاعب بهذا الجدول واعادة ترتيب مفرداته بطريقة تحافظ على الوضع الراهن وتعيق التغيير او الاصلاح الشامل. وهنا تاتي استقالة عادل عبد المهدي، وتقديمه ككبش فداء، مقابل الابقاء على الوضع الراهن. الاستقالة سوف تفتح ملفا جديدا وصعبا اسمه تشكيل الحكومة الجديدة وهذا امر سوف يستغرق حوالي ٤٥ يوما، وسوف يطوي ملف تطبيق المادة ٦٤ ويلغي ضرورة حل البرلمان واجراء انتخابات مبكرة، وسوف يبقى الوضع الراهن قائما الى عام ٢٠٢٢ وتاخير عملية الاصلاح لثلاث سنوات اخرى. وهكذا، تكون الاستقالة، وحتى الاقالة، قد اضرت بمشروع الاصلاح السياسي.
ان كان لابد من حديث عن مؤامرة، فالواقع ان هذه هي المؤامرة، وعنوانها: الالتفاف على هدف الاصلاح السياسي، وحرف عملية التصحيح عن مسارها السليم، وشراء المزيد من الوقت. 
لهذا اقول: لو كان الامر بيدي لرفضت استقالة عادل عبد المهدي، وعملت بوصية المرجعية بضرورة الاسراع بتشريع قانون الانتخاب الفردي، والاسراع بتطبيق المادة ٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي