رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 5 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2327

الانحطاط الطائفي في العراق.. المقدمات والنتائج

الاثنين - 2 كانون الاول (ديسمبر) 2019

ميثم الجنابي
إن تاريخ العراق الحالي اظهر لنا بعدا يتعارض مع الجمال والحقيقة، ألا وهو تحول «المثلث» إلى رمز الخراب والتخريب. حقيقة إننا نعثر على مقارنات تبتدعها الطبيعة ويحولها البشر إلى رمز ولكن من اجل تجنب الوقوع فيه، كما يقال عن مثلث برمودا. لقد أراد الإنسان من وراء ذلك القول بان «هندسة» الموت الطبيعية تحتوي في أعماقها على مؤشر قادر على أن يقدم لنا دليلا هندسيا للخروج من الموت نفسه. وتؤكد هذه النتيجة صحة الفرضية القائلة بان العلم الطبيعي هو عاصم لحقائق الوجود، بما في ذلك حياة البشر. أما في العراق المعاصر فان القضية تبدو أكثر تعقيدا بحيث تجعل من الضروري أحيانا إعادة البرهنة على أكثر الأمور بديهية من اجل إثباتها! وهو أمر إن دل على شيء، فانه يدل على منافاة ابسط مقومات العقل والعدل. وبالتالي هو مؤشر على عمق الانحطاط الشامل في العقل والوجدان والضمير، وعلى سعة الانتهاك «المنظم» لأبسط قواعد العلم والعمل العقلانية.
إذ لا يعني ظهور رمز «المثلث السني» و«المثلث الإرهابي» و«مثلث المقاومة» ثم «مثلث الموت» وما شابه ذلك سوى الصيغة التي تجعل من أكثر الأشكال هندسية ودقة ووضوح محل خلاف واختلاف لا يكتب حروفه ولا يمسحها سوى الدم. وعندما يصبح سيان من كان ساكبه الشرط الوحيد للبرهنة والتدليل على «المواجهة» و«التحدي» و«المقاومة»، فان ذلك مؤشر دون شك، على واقع انحطاط القيم والمفاهيم والرموز، ومن ثم خراب وتخريب أساليب الوعي والممارسة الاجتماعية والسياسية. 
إن هذا الانحطاط والانتهاك، شأن كل خراب واستعداد على التخريب له مقدماته التاريخية ونماذجه «الملهمة». فهو يشير عموما إلى واقع الانقسام والتجزئة المتفسخة في بنية الوعي الاجتماعي والأخلاقي، كما انه يشير إلى انحلال البنية الذاتية للفرد والمجتمع والدولة والثقافة. بمعنى انحلال الحد الضروري الذي يكفل لكل منهم حق الوجود والفعل ضمن معايير المصلحة العامة. وهو انحلال رفعته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية إلى مصاف «المرجعية» المتحكمة في كل جزيئات ومسام الوجود الاجتماعي.
طبعا، إن الانقسام والتجزئة بمعناها الاجتماعي والسياسي والطائفي والقومي والجهوي في العراق ظاهرة لها جذورها الخاصة. ويمكننا إرجاعها من الناحية التاريخية إلى ما بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر حتى ظهوره الجديد في بداية القرن العشرين، أي بعد سبعة قرون من الغيبوبة والخمول. وأدت هذه المرحلة التاريخية الهائلة إلى تفتيت قواه الداخلية وإنهاك قواه الذاتية. بحيث أرجعته بما في ذلك «جغرافيا» إلى ما قبل الطوفان السومري. إلا أنها أبقت من الناحية الشكلية على معالمه المحفورة في الذاكرة والتاريخ والجغرافيا، بوصفه موطن ووطن الساميين القدماء والجدد (العرب)، بمعنى الإبقاء على وحدة سومر وبابل ونينوى. وتشكل هذه الحدود التاريخية والطبيعية الأولية الأساس المادي والمعنوي لوحدة وجوده الثقافي والسياسي والقومي أيضا. بمعنى أن كل ما تشكل من مآثر وإنجازات كبرى مادية وأثرية وثقافية في تاريخ المكونات الدولتية للعراق منذ القدم هي الجزء الحيوي منه وله. وهي حقيقة رسختها تقاليد الخلافة العربية الإسلامية. وكل ما جرى بعد ذلك هو مجرد حالات عارضة.
وقد جعل من حقيقة العراق وكيفية تكونه التاريخي هوية ثقافية وليست عرقية. مما كان يعني استعداده لان يكون موطن الائتلاف الممكن والتمازج الثقافي والانفتاح الفعلي على النفس والآخرين. ويمكن تتبع هذه الحقيقة ورؤيتها في كل الإبداع النظري والعملي لتاريخه الثقافي. ولم تغير حقيقته هذه بما في ذلك حقبة القرون السبعة المظلمة من تاريخه. فهي الحقبة التي جعلت من الانحطاط أسلوب وجود الزمن فقط، مما افرغ العراق من تاريخه الذاتي. وهو انحطاط ترسخ في التجزئة المفتعلة لكينونته العربية. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن العرب الذين صنعوا تاريخ المنطقة وقوام وجودها الفكري والروحي أصبحوا في العراق أفلاكا تتحكم بها مراكز التركية العثمانية والفارسية الصفوية. ومع أن هذا الصراع لم يكن قوميا ولا طائفيا بالمعنى التقليدي والمعاصر للكلمة، إلا انه اتخذ هذه الصيغة المتخلفة في العراق الحديث. بحيث تحول المركز (العراقي) إلى أطراف، والأطراف (فارس وتركيا) إلى مراكز. وتعيد هذه الحالة المخزية إنتاج نفسها بعد سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية، ولكن بصورة مصغرة و«عراقية».
فقد أدت التوتاليتارية والدكتاتورية، وبالأخص في مجرى العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلى استفحال التجزئة الجهوية والقومية والطائفية في مختلف نواحي ومستويات الحياة. مما أعطى لهذه التجزئة أبعادا مركبة ومتشابكة في الاجتماع، والاقتصاد، والسياسية، والفكر، والأيديولوجية، ونمط الحياة، والنفسية الاجتماعية. وهي تجزئة اخذ حجمها بالتوسع في مجرى التغيرات الراديكالية التي رافقت سقوط الدكتاتورية. بحيث يقف العراق الآن أمام امتحان صعب للغاية يقوم فحواه فيما إذا قادرا فعلا على تذليل هامشية وجوده الذاتي بالاستناد إلى فكرة الوطنية العراقية. بمعنى هل قادر فعلا على تذليل تقاليد التركية الفارسية (العثمانية الصفوية) وذيولها التاريخية والمذهبية في التجزئة المفتعلة للعرب بوصفهم هوية واحدة في الجوهر، ومن ثم تذليل مختلف تقاليد التجزئة المفتعلة للكينونة العراقية عندما زاوجت بصورة فجة ومدت خطوط الموازاة المسطحة بيت الجغرافيا والقومية والطائفة في تقييمها وتصنيفها لهم، أي كل ما أدى قبيل سقوط الدكتاتورية وبعده إلى ظهور ما يسمى بالمثلث السني والشيعة. وهو تقسيم وتقييم يعيد إنتاج التجزئة المفتعلة لحقيقة العراق بوصفه كينونة رافدينية عربية إسلامية. بمعنى إعادة خلخلة حقيقة مكونه العربي. 
فعرب العراق هم هوية واحدة في الجوهر. وهم أصله وجذره، كما أنهم كينونته التاريخية والثقافية ومظهر وجوده الفعلي. إلا أن بروز «المثلث السني» فيه على خلفية انحلال الدولة المركزية وصعود الاطرافية والطائفية وتجسدهما السياسي و«القانوني» في «مجلس الحكم الانتقالي» أولا ثم استمرارها في مختلف الأشكال والأصناف والمستويات، يشير إلى استمرار بنية الانحطاط المادي والمعنوي للعراق وقواه السياسية بالأخص.
إننا نقف أمام واقع انحطاط وتخلف البنية الاجتماعية من جهة، وتصدع الفكرة الوطنية العراقية من جهة أخرى. وإذا كان من الممكن الإقرار نظريا بأنه انحطاط وتصدع قابل للرأب، باعتباره نتاجاً لحالة سياسية أولا وقبل كل شيء، بلغت ذروتها في سياسة الدكتاتورية الصدامية، فان الأحداث التاريخية في مجرى السنوات التالية على سقوطها، تشير إلى استمرار وإعادة إنتاج واقع التجزئة بصورة «منظمة».

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي