رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 5 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2327

خيارات ما بعد استقالة عبد المهدي

الاثنين - 2 كانون الاول (ديسمبر) 2019

د. جليل وادي

أخيرا وبعد خراب الناصرية أعلن السيد عادل عبد المهدي انه سيستقيل من رئاسة الحكومة، متخليا عن شرط البديل المقبول الذي طالب به في خطابات منتصف الليل التي فاجأ بها العراقيين والتي حذر فيها من ان عدم الاتفاق على هذا البديل سيذهب بالعراق الى الفوضى، واذا بالعراق وبوجوده يقترب من هذه الفوضى، ويدفع بسبب عناده وسوء ادارته للأزمة (408) شهيدا وآلاف الجرحى، وبطريقة غريبة أدار ظهره لمطالب الشباب، ولم يسمع لصوت الحكمة الهادر من حناجرهم والذي أثبتوا فيه انهم أكثر نضجا ووعيا بطبيعة المرحلة، وأشد حرصا على الوطن من الشيوخ الذين فرطوا بحاضر العراق وعرقلوا طريقه الى المستقبل.
 لم يكن لعبد المهدي أن يستقيل لولا يقينه ان مجلس النواب سيسحب الثقة عنه تنفيذا لخطاب المرجعية الدينية العليا الذي طالب البرلمان بمراجعة خياراته، لذلك اراد أن يتخذ قرار الاستقالة بنفسه بدل أن يكون مفروضا من البرلمان، حفاظا على ماء وجهه، والحقيقة انه أذعن لذلك وان تذرع بأنه قد أعلن ذلك سابقا وقدمه بكتب رسمية الى مجلس النواب، وللأسف فرط بفرصة تاريخية للبطولة لم يستثمرها بالتماهي مع مطالب الشباب وتقديم استقالته لحظة انطلاق مظاهراتهم.
 ان النهاية المأساوية لعبد المهدي هي نتيجة طبيعة لمن يسمع نصائح (الطرف الثالث) بحسب تسميته، محاولا التذرع بعمومية هذه التسمية للتنصل من مسؤولية المجازر البشعة التي ارتكبت بحق الشباب في سوح التظاهر. لقد راقت لعبد المهدي تسمية الطرف الثالث، متناسيا ان الحكومة التي لا تمتلك الشجاعة الكافية على تسمية الطرف الثالث لا تستحق ان تقود العراقيين، فالشجاعة شرط للقيادة، فمن هو هذا الطرف الذي أوغل بدم الشباب المتطلع الى وطن يليق بالعراقيين بناة الحضارة وأصحاب الغيرة.
 ان الطرف الثالث يا دولة الرئيس هو من أملى عليك قرارات الأزمة، وهو الذي اراد اشاعة الفوضى لتسيطر أدواته على الموقف، لكن ذلك لا ينفي تحمل الأجهزة الأمنية جانبا كبيرا من مسؤولية ما حدث، فما قيمة أجهزة استخبارية تستنزف رواتبها وتجهيزاتها نسبة كبيرة من موارد الدولة ويتعذر عليها الامساك بمجموعات مسلحة تصوب فوهات بنادقها لرؤوس وصدور أبناء العراق.
 بينما تصدع رؤوس العراقيين يوميا بزعيقها في شوارع المدن باستعراضات طفولية، فمن يخشى الطرف الثالث ويضحي بأبناء شعبه، لن يحصد من التاريخ سوى مزابله. والسؤال الذي يراود الجميع الآن وماذا بعد استقالة عبد المهدي؟ فالاستقالة في حقيقتها لا تعني شيئا في الاصلاح السياسي الطموح، وان كانت خطوة أولية في طريق الاصلاح الوعر، ولكن من يتخذ الخطوات الاخرى؟، مجلس النواب فاقد للشرعية، وحلّه واحد من مطالب الشباب، وانه مهما فعل لا يمكنه التجرد من مصالحه، ولا يمكن أن تكون قراراته مقنعة للجماهير، وبالرغم من ان المرجعية الدينية العليا تعرف ذلك تماما لكنها لم ترغب بزج نفسها خارج اطر النصح والارشاد بتكليف جهات غير مجلس النواب لتقليب البدائل واختيار الأنسب لرئاسة الحكومة ومتابعة الاجراءات الاصلاحية اللاحقة.
 نريد لهذا التحول التاريخي في مسيرة العراق السياسية أن يكون بداية تأسيسية لعراق معافى، يُبنى على اسس رصينة تعكس الديمقراطية الحقيقية، وتجعل من المواطنة معيارا لا معيار غيره، تأسيس يتجرد من الضغائن والأحقاد والاقصاء والتهميش وغيرها من الاكراهات التي لا تتناسب مع دولة يراد لها ان تكون معاصرة، ولذلك نرى ان الخطوة اللاحقة تتمثل في تشكيل حكومة مؤقتة لا يحق لأعضائها المشاركة في الانتخابات القادمة، ويشترط فيها الابتعاد عن المحاصصة والحزبية، تكمن مهمتها في تسيير شؤون البلاد وتشريع قانون منصف للانتخابات وتعديل الدستور وتشكيل مفوضية للانتخابات مستقلة حقيقة، ولكن كيف ستشكل هذه الحكومة المؤقتة ومن الذي سيرأسها؟.
 وبما ان مجلس النواب غير مؤهل لذلك، وانه من المتعذر اجراء استفتاء شعبي على شخصيات معينة لاختيار احداها لرئاسة الحكومة سواء أكان الاستفتاء عاما او خاصا بجماهير ساحات التظاهر كما هو اجتهاد البعض، فليس أمامنا سوى القضاء والوسط الاكاديمي والجيش، يمكن تكليف أي من هذه الجهات بإدارة شؤون الدولة لمدة ثلاثة أشهر ريثما تستكمل متطلبات اجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة الدائمية.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي