رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 5 كانون الاول (ديسمبر) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2327

الفكر السياسي السليم شرط في الاصلاح: السيستانية انموذجا

الثلاثاء - 3 كانون الاول (ديسمبر) 2019

محمد عبد الجبار الشبوط

الشريحة المستهدفة بعبارة "الفكر السياسي السليم شرط في الاصلاح" هي اولئك الناس الذين يؤمنون بوجود العلاقة العضوية بين الفكر السياسي والبناء السياسي، اما الذين لا يؤمنون بوجود هذه العلاقة فغير مقصودين بهذا المقال، ويمكنهم ان يتوقفوا عن قراءته فورا.
كل التحولات السياسية الكبرى في التاريخ الحديث، على الاقل، وابتداءً من الثورة الفرنسية  عام ١٧٨٩، والى  الثورة الايرانية عام ١٩٧٩، مرورا بالثورة الانگليزية  والثورة الاميركية والثورة الروسية والثورة الصينية، قامت على فكر سياسي.  كل الثورات تقوم بادانة الواقع الموجود من جهة، وتهدف الى بناء واقع جديد من جهة ثانية. وفي الحالتين يكون ذلك استنادا الى فكر سياسي خاص. لا توجد ظاهرة تاريخية كبرى لم تستند الى فكر سياسي او نظرية سياسية. بعض قصيري النظر يقولون "لا نريد تنظيرا". مع كامل الاحترام لاصحاب هذه المقولة الا انها تعبر عن سوء فهم شديد ونقص معرفي وثقافي كبير. وهذا المقال ليس لهم. انما لاولئك الاشخاص الذين يدركون ان الثورة على الواقع الفاسد  وبناء الواقع الجديد يجب ان تستند الى فكر سياسي سليم  يتكفل النقد الموضوعي للواقع الفاسد ويوفر الاساس السليم  للبناء الجديد.
تعج الحياة بشتى انواع الافكار والنظريات. ويمكن للثوار ودعاة التغيير الاجتماعي والاصلاح السياسي  ان يختاروا ما يرون انه الافضل. يمكنهم ان يختاروا ماركسية لينين او رأسمالية ادم سمث او ثورية ماوتسي تونغ،  او غير ذلك، كما يمكنهم ان يختاروا واقعية  السيستاني.  ولا علاقة للامر بدعاوى فصل الدين عن الدولة او الدولة الدينية ولا حتى الدولة الاسلامية ؛ لان السيستاني  مرجع ديني لكنه لا يدعو الى دولة دينية، وهو فقيه اسلامي ولكنه لا يدعو الى دولة اسلامية ، لكنه بدل ذلك يدعو الى دولة مدنية/حضارية تستند الى  الاقرار بحق الشعب في تقرير مصيره وتحديد خياراته.  وقبل الخوض بتفاصيل النظرية السيستانية يجب الانتباه الى عناصر القوة العملية فيها. واهم عناصر القوة هذه تكمن في كون السيستاني رجل مسموع الكلمة من عموم الشعب العراقي على مختلف طوائفهم ونحلهم وقومياتهم. صحيح انه فقيه الا انه لا ينادي بولاية الفقيه، وصحيح انه مرجع ديني شيعي، الا ان خطابه السياسي لا يخص الشيعة فقط، وصحيح انه عربي ينتهي نسبه الى النبي العربي القرشي، الا انه لا يخاطب العرب فقط. انه الشخص الوحيد بمثل مواصفاته الذاتية الذي تتجاوز شخصيته وفكره الخطوط الدينية والمذهبية والعرقية في المجتمع العراقي. انه يقدم رؤية لبناء الدولة في العراق تتجاوز كل ما قدمته الاحزاب العراقية منذ نشوء الدولة العراقية الى الان، رؤية تتجاوز الطروحات القومية العروبية والاسلامية والعلمانية التي حكمت او شاركت في حكم العراق المعاصر. انه يمثل الان، بفكره السياسي المستنير والواقعي، الجامع المشترك الاعظم للعراقيين جميعا. وهو فكر يوفر اساسا منيعا ومتينا لبناء الدولة الحضارية الحديثة في العراق.
ولأن هذا العمود محكوم بعدد محدد من الكلمات، فلا يمكنني الاسهاب بتفصيل نظرية السيستاني السياسية، لكني سوف اكتفي بالنص التأسيسي التالي كمقدمة شاملة لهذه النظرية:
"لقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحلّ مكانه نظامٌ يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع، في انتخابات دورية حرّة ونزيهة، وذلك ايماناً منها بانه لا بديل عن سلوك هذا المسار في حكم البلد إن اريد له مستقبل ينعم فيه الشعب بالحرية والكرامة ويحظى بالتقدم والازدهار، ويحافظ فيه على قيمه الاصيلة ومصالحه العليا."

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي