رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 23 كانون الثاني ( يناير ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2359

عن الانارة الجديدة لنصب الحرية

السبت - 7 كانون الاول (ديسمبر) 2019

من غير اللائق أخلاقياً الحديث عن نصب الحرية دون المرور على ما جرى ويجري حوله. فمن غايات فن النصب عموما، تذكيرنا بقيم انسانية واحداث شكلت هويتنا الجمعية، ومن ثم الاستفادة من دروسها. وبالتالي، ان سهونا وانشغلنا بالنصب متناسين الانسان، فاننا بذلك نفوت جوهر عمل النصب، والذي وصفه المعمار الاسباني خوسيه لويس سيرت بـ : ”التعبير عن اسمى احتياجات الانسان الثقافية“. من هنا، اود ابداء تعازيي لذوي الشهداء من شبابنا في ثورة اكتوبر، الذين فقدوا ارواحهم نتيجة مطالبتهم بحياة كريمة في وطن حر. واحيي مجاميع الاخرين، من شباب وشابات وكافة الفئات، طلابا وموظفين وباحثين عن عمل، ممن شاركوا في هذه الثورة بالخروج الى الساحات او ممارسة الاضراب او الاعتصام، وتقديم الدعم بكافة اشكاله. من النتائج الاخرى التي شهدناها، هي مجموعة اعمال تطوعية، تنم عن تكاتف مجتمعي غير مسبوق، ووعي عالي، وتحدي مبطن، يخاطب الجهات الرسمية قائلا: "نستطيع عمل ما عجزتم عنه“، ويشمل ذلك - بشكل رمزي - اعمالا متنوعة، من جمع القمامة، تنظيف الشوارع، صبغ الارصفة، ورسومات الجرافيتي، وغيرها. ومن بين هذه الاعمال ايضا، كانت هناك حالة اجتهاد لتغيير، او ”اعادة تصميم“ انارة نصب الحرية، في ساحة التحرير، وهو الفضاء المديني الرئيسي، حيث ولدت الثورة. ولان للنصب هذا، (وللنصب عموما) قيما مختلفة عن الجدران والارصفة، واكثر تعقيدا بكثير، دفعني الاحساس بالواجب - كمهندس معماري - الى ان اوضح بعض النقاط، أملا في أن يتم تفاديها مستقبلا. اذ ان اجمل ما يحصل منذ الاول من اكتوبر لحد الان، هو ليس غياب الاخطاء (الفردية والجماعية)، وانما سرعة عمليات النقد والنقد الذاتي، والاستجابة لها بالتصحيح، ومن دون عناد. كنظرة اولى، تعجبني كثيرا التدخلات/ المقترحات الجريئة، تلك التي تطول كل ما بات مقدسا ولا يمكن المساس به. انها نكهات جديدة تضاف الى ما تذوقناه مرارا، حتى بات طعمه راكدا في حواسنا. وعليه، فاني معجب بالانارة الجديدة (كفكرة)، لانها خارجة عن المألوف، وغريبة. ولكن .. كانطباع اولي فقط، اما من الناحية الموضوعية، فانا معارض لها بشدة، لسببين، واحد انشائي، والاخر فني. انشائيا، فمن الواضح - للمشاهد قبل المختص - بان النصب ليس في حالة ممتازة. بعض قطعه من حجر التغليف (الترافرتين/ ايطالي المنشأ) قد سقط منذ مدة (بل سنوات)، في الامام والخلف والاسفل ايضا. والجهات المسؤولة مع مستشاريها، صرفت الكثير من الكلام والصور مع النصب، لكن دون نتائج ملموسة (لحد اللحظة على الاقل). وبالتالي، فان وضع اشرطة الانارة بهذا الشكل، بلصقها خلف المنحوتات البرونزية، بواسطة ايدي غير مختصين - كما ارجح - لهو عمل خطر، ويهدد سلامة النصب. بل وانه قد يهدد سلامة منفذي العمل ايضا، وهو ما يعيدنا للنقطة الاولى (الانسان). اما من الناحية الفنية، فان انارة النصب، او الاعمال الفنية عموما، تختلف كثيرا عن انارة المباني والشوارع وما شابهها. ففي الاخيرة، تكون مهمة الانارة - غالبا - لتأدية وظيفة الرؤية، وما يزيد عن ذلك هو للترف. اما انارة الاعمال الفنية، فهي مسالة تتعلق بشكل كامل حول تذوق العمل الفني، وعليها ان تكون نابعة من روح العمل، اي ان على واضع (او مصمم) الانارة ان يكون متلبسا بروح الفنان نفسه، ليعيد التأكيد على ملامح العمل، لكن بادواته الخاصة، وهي الضوء والظلال. باعتقادي، ان ما يعاب فنيا على الانارة الحالية هي جانبان من ثلاثة، فالانارة تقسم عموما الى: لون الضوء، شدة الضوء، واتجاه الضوء. اللون موفق، ففي كتاب ”الاخيضر والقصر البلوري“، لمعمار نصب الحرية، الدكتور رفعة الجادرجي، يذكر انه اتصل انذاك بشركة فيليبس العالمية، وبعثت له خبير انارة، وبعد ان ابدى الجادرجي رغبته للخبير بـأن يبدو منظر العتق على منحوتات جواد سليم، بالشذري الناتج عن عراقة البرونز، نتيجة التأكسد الذي سيكسوها على مر السنين، اختار الخبير اللون الاصفر. اما الشدة، فرغم انها مرتبطة باتجاه الضوء، لكن يمكن القول بانها غير مناسبة ايضا، فهي شديدة جدا في المنتصف، لدرجة تذيب رؤية قضبان السجن، الممثلة في النصب. اما المشكلة الاكبر طبعا، فهي اتجاهها، بوجودها خلف النصب، وهو ما يتعارض بشكل جوهري مع روح العمل وقصدية الفنان. فقطع النصب الاربع عشر، هي منحوتات ثلاثية الابعاد، تملك سماكات، والتواءات وتقعرات وتحدبات ومنحنيات، وكل ما للملامح من خصائص. فللحصان رقبة ملتوية ولرواد الثورات لافتات بارزة ومشغولة، وللطفل ذراعان ممتدتان الى الامام، وللام ثوب ذو تكسرات، وللشهيد اقدام طائرة، ولام الشهيد التفاف محفور نحو الوسط، وللمفكر صرخات، وللجندي زي عسكري، وللحرية شعلة ذات لهب، وللسلام حمامة، ولدجلة والفرات خصوبة اراضيهما، وللزراعة عضلات، وللثور قرون، وللصناعة مطرقة وصفيحة ملتوية تختم حدود النصب من اليسار. وكل ذلك مشروح باسهاب في كتاب جبرا ابراهيم جبرا "جواد سليم ونصب الحرية" . ان الانارة الجديدة تختزل كل هذه التفاصيل وتصهرها، ليتحول النصب الى مجرد سيلويت خارجي، او لوحة ضوئية مسطحة. هذا لا يعني ان الانارة فيما سبق كانت ممتازة، فهي الاخرى كانت شديدة عند الاطراف، ومعتمة عند الوسط، بشكل لا يراعي حساسية مادة البرونز التي تصبح عاكسة عند الوهج القوي، وعديمة الملامح في العتمة. ان تغييب ملامح النصب يعني اهمال جزء من قيمته الفنية، وذلك الاهمال سيضعف من قوة وجوده. والقوة التي فيه، في النصب، هي احد مصادر الارادة الجماعية، على حد تعبير المعمار الايطالي الدو روسي.
جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي