رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 23 كانون الثاني ( يناير ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2359

النخبة السياسية العراقية: نخبة مستلبة

الثلاثاء - 14 كانون الثاني ( يناير ) 2020

ميثم الجنابي
من بديهيات العلم السياسي القول، بأن قوة الأمم على قدر قوة نخبها السياسية، كما أن قوة الأخيرة تتأتى من قوة المجتمع ونخبه المتنوعة. بينما تكشف أحداث ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية وحتى الآن عما يمكن دعوته بمنظومة الخلل البنيوي للدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ يرتقي هذا الخلل إلى مصاف الأزمة البنيوية الشاملة، التي مازالت تحدد سلوك اغلب النخب السياسية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم على أنها قوى مؤقتة وطارئة وعابرة. وفي هذا يكمن سر خلافاتها العلنية والمستترة.
إن الصراع الداخلي للنخب السياسية في ظروف العراق الحالية محكوم أساسا بنفسية الغنيمة وليس بعقلية المستقبل. مما يعكس حالة الانحطاط، التي رافقت وتزامنت من الناحية التاريخية مع صعود الراديكالية السياسية، التي عادة ما تسحق الفكرة السياسية، وترجع مضمون السياسة إلى تصوراتها الحزبية. من هنا افتقاد السياسة لأبعادها الاجتماعية والوطنية. أما النتيجة فهي صعود اشد الأشكال تخلفا وانحطاطا إلى هرم السلطة، التي شكلت الصدامية نموذجها الأقبح فيما مضى، والقومية العرقية والطائفية السياسية في الظرف الحالي. 
فقد كان تغلغل واتساع نفسية "الشرعية الثورية" والفكرة الراديكالية مقدمة وأسلوب ومبرر انتقال الحثالة الاجتماعية بمختلف أصنافها وأشكالها من مواقعها الهامشية إلى مركز النظام السياسي. ومن الممكن تفسير هذه الظاهرة التاريخية بدقة علمية بما في ذلك بمعايير ومفاهيم العلم السياسي، إلا أنها استطاعت في ظروف العراق ما بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 أن تتحول إلى جزء من تقاليد خشنة ما زالت تتحكم بنفسية وذهنية العوام والخواص على السواء. الأمر الذي جعل من العامة خاصة ومن الخاصة عامة. بمعنى غياب الاحتراف. مما أدى تدريجيا إلى تلاشي النخبة بالمعنى الدقيق للكلمة بوصفها القوة الروحية والفكرية لمشاريع البدائل والإبداع المتجدد. تماما بالقدر الذي جعل من هامشية الأمس نخبة سياسية وفكرية! وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى تاريخ المرحلة الجمهورية على انه مجرد زمن تراكم وتضخم الهامشية والأطراف والأقليات وهمجيتها الشاملة. وفي هذا يكمن سر نمو وتضخم ظاهرة "أزلام السلطة" وليس رجل الدولة. وفي هذه الحالة تكمن مفارقة العراق الحديث وسر انحطاطه المريع. 
ووجدت هذه النتيجة انعكاسها في المعارضة السياسية العراقية، التي أخذت معالمها الباطنية تبرز على حقيقتها في مرحلة "الجمهورية الرابعة" (2003)، بوصفها جمهورية النخبة السياسية المستلبة. إذ كشفت هذه النخب في مجرى الأحداث الدرامية ما بعد سقوط الصدامية وحتى الآن عن أن أهم ما يميزها أسماء مضخمة وهموم صغيرة، بحيث جعلها اقرب ما تكون إلى أزلام وأقزام، أي أزلام على الغنيمة وأقزام أمام المشاكل الكبرى للدولة والمجتمع!!
إن الحصيلة الضرورية التي كان ينبغي الوصول إليها تقوم في أن النخب السياسية كان ينبغي لها من الناحية العقلية، أن تسلك في ممارستها العملية سلوكا محكوما أما بمعتقداتها الخاصة وشعاراتها العامة، وأما بإدراكها للنتائج التي يمكن أن يؤدي إليها الخروج على منطق الحق والعدالة واحترام حقوق الإنسان، وأما برؤيتها الإستراتيجية للبدائل القادرة على انتشال العراق من أزمته البنيوية الشاملة، أو أن تجمع بين هذه المكونات الثلاثة بطريقة معقولة. لكننا لا نرى في الواقع سوى المكون الأول، أي سلوكها بما يستجيب لمعتقداتها الخاصة. بينما هي معتقدات حزبية، أي جزئية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الحزبية في العراق هي فكرة نفسية وغريزية أكثر مما هي فكرة عقلية ومنطقية، أي أنها محكومة بالوجدان وليس بالعقل، وبالمصلحة الضيقة وليس العامة، من هنا تتضح معالمها المدمرة. ولم يكن ذلك بدوره معزولا عن افتقاد فكرة السياسة لمضمونها الاجتماعي والاقتصادي، من هنا استحكام الرؤية الأيديولوجية في مواقف الأحزاب وأحكامها. مما أعطى لها في ظروف الانعدام التام والشامل للديمقراطية السياسية والمجتمع المدني في ظل استحكام التوتاليتارية والدكتاتورية، طابعا ضيقا جعل منها وعاء لنفسية النخبة المغلقة.
وبما أن النخبة في العراق هي كيان هلامي بسبب افتقادها إلى تاريخ ذاتي متراكم في منظومة من القيم والمفاهيم الراسخة والمتنوعة، من هنا سرعة تجاهلها لما يمكن أن يؤدي إليه سلوك الخروج عن منطق الحق والعدالة واحترام حقوق الإنسان، أي عن منطق الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والثقافة الحرة. ويكشف هذا التجاهل في الوقت نفسه عن استعدادها الذاتي للتخلي عن فكرة البدائل العقلانية. بمعنى تحويل كل "البرامج والمشاريع الإستراتيجية" إلى حفنة من العبارات التي يمكن التخلي عنها، أي المتاجرة بها مع كل عابر سبيل! وهو أمر جلي حالما يجري تصفيف كلمات وخطابات النخب السياسية الحالية تجاه كل القضايا الكبرى التي واجهها ويواجهها العراق الآن. ومن الممكن اختصار كل هذا الصخب الممل والتبرير السمج للمواقف المتباينة والمختلفة والمتناقضة تجاه اغلب القضايا بعبارة واحدة وهي: غريزة التحزب الحيواني! بمعنى إننا لا نسمع غير زئير مزيف وعواء فارغ وفحيح دائم! الأمر الذي يجعل من النخب السياسية في صراعها على حلبة العراق الحالية أشبه ما يكون بجوقة أجنبية من الدرجة الثالثة مهمتها تمثيل كل ما يطلب منها مقابل حفنة من الدولارات المسروقة. بينما يبرهن تاريخ الأمم المتقدمة والحية على أن النخبة السياسية الحقيقية هي التي تعمل بمنطق البدائل وليس بقواعد التأقلم الغريزي. وبدون ذلك تصبح قوى بلا قوة، أي مظهرا مضخما وأبهة فارغة. بحيث يصبح الاختلاف حول الصغائر مضمون السياسة الوطنية! وبالتالي تحول مضامين الكلمات إلى نقيضها. مما يجعل من أكثر الأمور جلاء موضوعا للجدل!!
إننا نقف أمام حالة من الاغتراب الفعلي للنخبة السياسية "العراقية" عن العراق وفقدانها لأبسط قواعد اللياقة واحترام النفس. مع ما يترتب عليه من سقوط في مستنقع الانحطاط. فالانحطاط قادر على جعل المستحيل أمرا "معقولا" ومقبولا لأنه غير محكوم بقاعدة. أما القاعدة الوحيدة فيه فهي قاعدة الرخوية المستعدة لابتلاع كل شيء وتحويله إلى فقاعات، كما تفعل المستنقعات.
ويمكن رؤية ملامح هذه الصورة الرمزية في ظروف العراق الحالية وسلوك اغلب النخب السياسية فيه. ويمكننا الحديث في الإطار العام عن عاملين أساسيين يتحكمان في هذه الظاهرة، الأول وهو أن اغلب الأحزاب السياسية "المؤثرة" حاليا هي من قوى الماضي، وثانيا أن اغلبها يعاني من انفصام فعلي فيما يتعلق برؤيته تجاه المصالح الوطنية العليا. بمعنى أن سلوكها محكوم أما بغريزة "البقاء" الأجوف في السلطة أو استعمال الجاه من اجل اكتساب ثروة الضحايا العراقية أو رأسمال "النجوم الإعلامية" الأكثر زيفا!! وليس مصادفة أن يكون سلوك اغلبها متشابها من حيث تصنيعه "كتل" المصالح الحزبية الضيقة. بمعنى افتقادها للمشروع الوطني الحقيقي العام. في حين أن حقيقة النخبة في زمن الانعطافات الحادة تقوم في كيفية ونوعية تمثلها للمصالح الوطنية العامة. بينما لا نرى في سلوك النخب السياسية الحالية في العراق سوى صورا ونماذج لنفسية المؤقت والعابر، أي أنها مازالت تعيش زمن الانحطاط وتعيد إنتاجه مما يجعل منها في نهاية المطاف نخب الطريق المسدود!

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي