رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 2 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2407

"خطوط من رمال".. سايكس وبيكو وضعا اللمسات الأخيرة للاتفاق وبلفور يدخل على الخط

الخميس - 23 كانون الثاني ( يناير ) 2020

ترجمة/ الدكتور جاسم الهاشمي

 

"خط أسود فوق خريطة صماء، قسّم الشرق الاوسط من منتصفه، دون أي اعتبار للتوزيع القبلى والعشائرى، أو الانتماءات الدينية والعرقية". هكذا يصف الكاتب البريطاني جيمس بار، اتفاقية سايكس بيكو، في كتابه (حدود من رمال)، الذي بذل فيه مجهودا بحثيا، وثائقيا كبيرا، في متابعة خيوط الصراع بين بريطانيا وفرنسا من اجل السيطرة على منطقة الشرق الاوسط، والتي تفتت دون رغبة سكانها. وما زال هذا التقسيم المقسم، يتهدد استقرار شعوب الشرق، بتفاقم المشاحنات والعداء المستمر، بسبب تلك الخريطة المشؤومة التي ما انفكت منذ 104 أعوام توّلد مزيدا من الغضب.
المحرر 

هذا الكتاب يحمل اسم (à line in the sand) والكاتب James barr  هو من شباب اوكسفورد. يمثل كتابه وجهة نظر الشباب الإنجليز لتاريخ المنطقة الحديث.
الترجمة بلا تزيين ولا تعريب، كما هي. وقد تعمدت الحفاظ على الاسماء والنصوص المهمة بلغتها الانجليزية. انما هناك ساحة، ولاعبون وجماهير مشاهدة.
المترجم

 

 الحلقة الخامسة

  في اتفاقية سايكس بيكو, وحينما كانت الترتيبات قد أعدت وأعلنت, أبدى الرجلان ولاء زائفا للوعد الذي قطعه مكماهون لحسين باستقلال العرب, ومن ثم رسم سايكس خطا على الرمل من مدينة عكا على البحر المتوسط إلى كركوك قرب الحدود الفارسية, يقسم الخط المنطقة إلى قسمين, وهي المنطقة التي منحها مندوبهم السامي لحسين. الإقليم شمال الخط سوف تأتي للسيطرة الفرنسية، وإلى الجنوب للبريطانيين.
  داخل تلك المساحات توجد مناطق يحق لكل من البريطانيين والفرنسيين إن يمارسوا عليها سيطرة كاملة لو رغبوا. الخطوط الزرق فرنسية: تضم سوريا ولبنان وتنتشر في جزء من تركيا. الخطوط الحمر بريطانية تندفع من مواقعها الأمامية- bridgehead في جنوب العراق صعودا إلى بغداد، وتضم بشكل منفصل ميناء حيفا. رسمت فلسطين باللون البني. الطرفان بحثا عن موافقة حليفهم روسيا, واتخذت الاتفاقية صيغتها النهائية بتبادل الرسائل في مايس 1916. الاتفاقية حتى الآن سرية, وهذا يعكس, حتى ضمن التوقيتات القياسية, أنها لم ليست أكثر من حلف مخجل للمصالح الأنانية shamelessly self-interested pact, تعدى تماما حدوده، وجعل عددا كبيرا من الناس يتهم النهم الإمبراطوري بأنه المسبب للحرب.
  الفرنسيون كانوا مغتبطين للتنازلات التي حصلوا عليها ـ انتزعوها wrung - من بريطانيا. ما إن وصل مخطط المسودة للصفقة إلى رئيس الوزراء براين Briand حتى أوعز إلى كامبون أن يصدّق على الفور على تلك النتائج بالغة الأهمية، خشية أن يحدث ما يغيرها.
التحدي أمام فرنسا الان، هو ان تحافظ على حليفها في المعاهدة pact. 
  البريطانيون, من جهة أخرى, كانوا فزعين. يقول رئيس الاستخبارات العسكرية شاكيا، نحن الآن في موقع الصيادين الذين تقاسموا جلد الدب قبل قتله، "زملاؤه كانوا يرجون أن فقرات الاتفاقية ليست نهائية. مما يغيضهم أنهم أجبروا على الصفقة من قبل جورج ـ بيكو. ولقد شرعوا الآن بالبحث عن طريقة يروغون فيها عن الاتفاقية، وسد الثغرة، بشكل خاص، في دفاعاتهم نظرا لعدم البت الكافي في موضوع فلسطين.
  ولتحقيق ذلك استعادوا فكرة كانت تدور في دوائر الحكومة طيلة عام. تلك الفكرة كانت دعم الصهيونية Zionism والتي كانت حتى ذلك الوقت حملة سياسية غير ناجحة، لخلق دولة يهودية في فلسطين, هذا الدعم يمثل أسلوبا أفضل من قبل بريطانيا لتأمين موقفها في الشرق الأوسط.
  هربرت صموئيل وزير يهودي وصهيوني في مجلس الوزراء البريطاني عام 1915. كان يراقب مطالبة فرنسا بسوريا ويحس أنها فرصته في بعث الحياة بطموح له طال عليه الزمن في رؤية كيان لليهود في فلسطين. شرع يناقش "لو شجعنا ودعمنا مستعمرة colony يهودية شرق قناة السويس مباشرة, تستطيع بريطانيا حينذاك أن ترفض أي ادعاء من الخصوم بأية بقعة من الأرض شرق القناة. تستطيعون بعدها السيطرة على قناة السويس: لا يمكننا الافتراض أن علاقتنا بفرنسا ستستمر جيدة دائما". وحذر زملاءه قائلا "إن حدودا مشتركة مع جار أوروبي في لبنان أقل خطورة للمصالح الحيوية للإمبراطورية البريطانية من حدود مشتركة في العريش Arish".
  طرح صموئيل أيضا في نقاشه، أن خطوة كهذه ستخلق إرادة طيبة من قبل بريطانيا في التيه أو التشتت اليهودي Diaspora Jewish. عدد كبير من اليهود ممن تعرض إلى القمع في أوروبا الشرقية وخاصة في روسيا, هاجر إلى الغرب قبل الحرب بسنين. تضاعف عدد اليهود في بريطانيا أربع مرات عبر الثلاثين سنة قبل الحرب, ومع ذلك فإن عددا كبيرا من اليهود اعتبر الوطن الجديد متهما بلوثة التحالف مع نظام القياصرة المضطهد الذي فرّوا منه. كان صموئيل متفائلا من إمكانية تغيير هذا الموقف إلى عكسه إذا ما رمت بريطانيا بكل ثقلها خلف الجهود الصهيونية: "إن العون الذي يقدم الآن للوصول إلى تحقيق الفكرة التي لم يتوقف العدد الكبير من اليهود عن الاعتزاز بها ولقرون عدة من المعاناة, هذا العون لن يخيب في الحصول على الامتنان ولأجيال عدة مستقبلية, وفي ذلك الوقت لن تكون إرادة هذا الجنس بأكمله بلا قيمة".
  يعتمد جدال صموئيل على حكم سبقي منتشر من أن اليهود قوة سياسية فعاّلة. سير ادوارد جري Grey يدرك الآن قيمتها والهدف تحقيق غرضين: الأول أن يبتز الفرنسيين trump the French والثاني أن يحسن علاقته بصهاينة الولايات المتحدة الأمريكية الذين نجحوا بسد الطريق أمام حكومة القيصر في الحصول على أموال من وول ستريت لمحاربة الحرب. معاهدة سايكس بيكو تشهد وضع النقاط الأخيرة. جري يطلب من سفيره في باريس أن يستطلع كيف يتفاعل الفرنسيون لو أعلنت بريطانيا تصريحا يدعم الصهاينة, "من أجل كسب القوى اليهودية في شرق أمريكا وأي مكان آخر والذين يقفون الآن بأكثريتهم ضد الحلفاء".
  لم يتسرع الفرنسيون في الترحيب بفكرة البريطانيين بل وضحكوا منها: "الإعلان عن دعم لمملكة إسرائيل kingdom of Israel موضوع مضحك ولا يخدم أي غرض, والأفضل ألا يقال إلا القليل عنه" هذا ما ذكره دبلوماسي قديم وكبير. وبعكس ذلك يرى البريطانيون بوضوح أن من النافع التغزل الآن بالصهاينة. شن الحلفاء هجومهم الكبير في معركة السوم la Somme- نهر السوم شمال فرنسا- وفشل الهجوم؛ لم يتمكنوا من فتح ثغرة مهمة, صار واضحا أن المساعدة الأمريكية ضرورية ليهزم الألمان. وكما أشار صموئيل أن هناك مليونين من اليهود في الولايات المتحدة وبدأ زملاؤه يعتقدون أن كسبهم قد يساعد على سحب الولايات المتحدة إلى الحرب.
  وحتى تلك اللحظة كانت الولايات المتحدة تمانع من الاشتراك مع الحلفاء.. المعارضة الشعبية للإمبريالية – الاستعمار - تصاعدت, والعام 1916 يوشك على الانتهاء وهناك رئيس جديد منتخب في أمريكا، الرئيس وودرو ويلسنWoodrow Wilson يحث الأطراف المتحاربة على الكف عن الطموحات الاستعمارية، التي يؤمن بأنها المسؤولة الرئيسية عن التسبب بالحرب. 
هذا التحدي أثار عند البريطانيين والفرنسيين انطباعا بالمكر والخداع, ووصفوا أنفسهم كـ"مقاتلين لا من أجل منافع ذاتية ولكن, فوق كل شيء, لضمان مستقبل الشعوب, ومن أجل الحق والإنسانية. بل إنهم قالوا "إنهم يتعهدون بتحرير الشعوب المعرضة للاستبداد الدموي للأتراك". الرجل صاحب النظارات, ثاقب البصيرة ويلسن لا يعرف شيئا حتى الآن عن اتفاقية سايكس - بيكو, ومع ذلك فهو ينظر بشك إلى هذا التحول – الهداية - الجديد, شك يستحقه. "لا يحق لأي شعب أن يبحث عن  توسيع نظام حكمه polity ليشمل أمة أخرى أو شعب آخر"، وكرر في كانون الثاني 1917 "كل شعب يجب أن يترك حرا ليختار سياسته الخاصة به... الشعوب الصغيرة والكبيرة والقوية". وهذا هو المبدأ الذي سمي: تقرير المصير self-determination-.
  كان ويلسن يأمل أن يبقى على الحياد. لكن ألمانيا لوت يده. في آذار 1917 أغرقت ثلاث سفن أمريكية على أثر قرار للقيصر باتباع حرب الغواصات غير المقيدة. علم أيضا من جهات بريطانية أن الألمان يحاولون دفع المكسيك لغزو الولايات المتحدة. فلم يبق أمام ويلسن من اختيار غير أن يذهب للحرب, لكنه حاول أن يميز بين أهداف بلاده وأهداف المقاتلين الآخرين.
في 2 نيسان شن هجوما واسعا على السياسات الخارجية الاستعمارية المتبعة من قبل القوى الأوروبية كافة. وأخص في نقده "تلك المجموعات الصغيرة من الرجال الذين يستخدمون أبناء شعبهم كرهائن وآلات لتحقيق طموحاتهم"، وواصل كلامه "ليست لدينا غايات أنانية لنسعى لها. نحن لا نرغب بالغزو أو امتلاك أرض الآخرين dominion . لا نبحث عن تعويض لخسائر حرب, ولا تعويضا عن تضحيات سنقدمها من تلقاء أنفسنا".
الولايات المتحدة ستقاتل من أجل الأشياء التي نحملها قريبة من قلوبنا - الديمقراطية, عن حقوق الناس الذين يطالبون الحكومات بأن يكون لهم رأي بحكوماتهم, ومن أجل حرية وحقوق الشعوب الصغيرة.
  لندن قرأت تصريحات ويلسون الهجومية بامتعاض. أسكويث وجري استقالا في ديسمبر 1916, وأعقب اسكويث كرئيس وزراء دافيد لويد جورج، الذي توصل إلى قرار شن هجوم – فلسطين - الذي طالما نادى به. وهو على علم بان خطوة مثل هذه ستثير حتما الاتهامات بالنوايا الاستعمارية. لقد قرر أن مثل هذا الدعم للصهاينة الذين لا دولة لهم سوف يكبح الطموحات الفرنسية في الشرق الأوسط ويسكت ويلسون، بنفس الوقت.
والمفارقة مع اتفاقية سايكس - بيكو يبدو تمويل الصهاينة أمرا نبيلا high-minded ,لكن رئيس الوزراء لديه أسبابه وتفسيراته وهي لم تتغير. وما وضعه اسكويث بمرارة، ولكن بدقة "لويد جورج لا يعادل اليهود عنده فلسا واحدا سواء في ماضيهم أو مستقبلهم, لكنه يفكر بأنها ستكون فضيحة - عملا شائنا - لو تركت الأماكن المقدسة المسيحية – بيت لحم - جبل الزيتون, أورشليم... وغيرها لتسقط في يد فرنسا اللاأدرية الملحدة Agnostic, Atheistic 49.
  في الصباح, وبعد أن ألقى الرئيس ويلسون خطابه. لويد جورج تناول فطوره مع الصهيوني البريطاني الكبير – القائد - كاييم وايزمن Chaim Weizmann الذي ضمن له دعم الصهاينة في بريطانيا. وفي نفس اليوم بساعة متأخرة اجتمع بـ سايكس، وكان يعد الرحيل إلى القاهرة مع جورج بيكو لمعالجة أي مشكلة تبرز على أثر غزو فلسطين. أطلعه على الدفع الجديد في السياسة البريطانية, وركز على "أهمية أن لا يعرض الحركة الصهيونية إلى الضرر, وإمكانية نموها تحت الرعاية البريطانية"، لأن اليهود يمكن أن يقدموا أكبر العون لنا من العرب.
وقبل أن يرحل سايكس، كرر لويد جورج تحذيره: "يجب ألا تكون هناك أية مراهنات على العرب أو وعود، ولا شيء على وجه الخصوص لكل ما يتعلق بفلسطين". وصلت إلى سايكس الرسالة. ولما التقى ثانية بجورج بيكو طرح عليه: أن التحيز العام للصهيونية لصالح السيادة البريطانية British suzerainty هي التي تبرر مطالبة بلده بفلسطين.
  مع أن جورج بيكو شكّ حالا من أن البريطانيين يحاولون سحب الستار على اتفاقه مع سايكس واعتباره مهجورا إلا أن زميله روبير دي كيه، كان راضيا. "مسألة أن تقوم محمية يهودية تحت الإدارة البريطانية أمر من الصعوبة بمكان أن يتحقق... والمؤكد أن الحكومة البريطانية لا تحلم به". وقال مفترضا أن من الغباء إتباع سياسة مرتبطة بإثارة المشاكل بين العرب واليهود". إثارة الصعوبات الكبيرة لا تؤدي إلا إلى منافع تافهة.
بعد أسبوعين اطلعت حكومة الولايات المتحدة على مجريات اتفاقية سايكس ـ بيكو، حين كشفها آرثر بلفور Arthur Balfour وزير خارجية لويد جورج، الى مستشار ويلسن للشؤون الخارجية أدوارد هاوس. واستنادا إلى تعهد بريطانيا بتحرير الشعوب المضطهدة من قبل الترك وطغيانهم صعق هاوس، وهو يطلع على الاتفاقية. وكتب "هذا كله أمر رديء وأنا أخبرت بلفور بذلك. هم يريدونها أن تكون حاضنة لحروب مستقبلية"، واستغرب منتقدا بلفور عما تعني مفردة أو مصطلح مناطق النفوذ، التي ذكرت في الاتفاقية وما مداها. "بلفور كان متماهلا في هذه النقطة, فهل تعني احتلالا دائما أم أن كل شعب حر في تنمية موارده ضمن منطقته, لم يوضح ذلك".
  بلفور لم يكن واثقا. لأنه, وبما يتعلق الأمر بالبريطانيين, فإن اتفاقية سايكس ـ بيكو كانت تمرينا أكاديميا لوضع حد لنقاش أو لحل خلاف وليست برنامج عمل ـ صفحة زرقاء – blueprint - لحكومة المستقبل للمنطقة. 
إن التقسيم الافتراضي لأي بلد دون أن يديرها أحد من الموقعين يجعله في مهب ريح الحوادث, خاصة وهو اتفاق سري من شأنه أن يثير الخلاف عند نشره. البريطانيون يأملون والفرنسيون يخشون أن الأحداث في الشرق الأوسط، ربما أحالت المعاهدة فائضة عن الحاجة. 
هذا النوع من الضعف، حاول أحد الرجال أن يستثمره.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي