رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 شباط ( فبراير ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2379

الدولة الحديثة

الخميس - 13 شباط ( فبراير ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

اقول واكرر القول انه لا قيمة تاريخية للحراك الشعبي الاصلاحي اذا لم يكن مرتبطا ذهنيا باطروحة الدولة الحضارية الحديثة، واذا لم  يؤدِ عمليا الى اقامة هذه الدولة او توفير مقدماتها على الاقل.
نحن الان في نهاية الخمس الاول من القرن الحادي والعشرين، وقد مضى  اكثر من ٣٧٠ سنة  على ظهور الدولة  الحديثة، وهي نموذج  ظهر بعد  صلح  وستفاليا في اوروبا عام ١٦٤٨ في وقت كان العراق يئن من الحروب التبادلية التي كانت تحصل على ارضه بين ايران وتركيا، والصراعات على السلطة، والفوضى، والقبلية، والقحط والفقر والتخلف الاقتصادي والثقافي. منذ عام ١٦٣٨ كان العراق جزءاً من الدولة العثمانية، وهي سلطة قبلية تقليدية، كانت تنحدر بسرعة نحو الضعف والتفكك والسقوط.  ويكفي ان نعرف ان ٣٩ واليا حكموا بغداد من سنة ١٦٣٩ الى سنة ١٧٠٤ لندرك عمق الاضطراب السياسي الذي كان العراق يعاني منه، والفجوة الكبيرة بينه وبين مفهوم الدولة الحديثة.
وبعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدولة العراقية  سقطت "اللحظة الليبرالية" في عام  ١٩٥٨ وتصدرت المشهد قوى اجتماعية واحزاب سياسية ابعد ما تكون عن تمثّل وتبني مفهوم الدولة الحديثة باي نموذج كان. وهذا ينطبق على الاحزاب السياسية التي حكمت العراق منذ عام ١٩٥٨ حتى الان. فهذه الاحزاب،  العلمانية والاسلامية منها، العربية والكردية وغيرها، لا تتبنى صدقا رؤية لدولة حديثة،  والامر نفسه يقال عن احزاب ما بعد ٢٠٠٣.  وفي احسن الفروض فان هذه القوى لا تميز بين  نموذج الدولة القديم،  ونموذج الدولة الحديث ، وقد تمزج بينهما بشكل مخرب الى درجة كبيرة. فالناظر الى العراق الان يجد فيه معالم دولة حديثة، على المستوى الشكلي، لكن حين تغوص الى عمق تفكير  الماسكين بالسلطة او التأثير  والنفوذ، تجد ان تصوراتهم تقليدية، لا تمت الى مفهوم الدولة الحديثة بصلة.
واليوم اذْ تتعالى المطالبات الشعبية بالاصلاح السياسي مدعومة بالمرجعية الدينية ذات التأثير الكبير على مجريات الاوضاع، فيجب ان تكون بوصلة الاحداث واضحة الاتجاه، وهو اقامة الدولة الحضارية الحديثة، مع الحذر من الانزلاق نحو مطبات على مستوى الفكرة او على مستوى الممارسة تحرف الحراك الشعبي الاصلاحي عن هذا الهدف.
ليس غرضي هنا الدخول في بحث اكاديمي عن معنى الدولة وتعريفها، فقد اصبح هذا معروفا ، واكتفي بالتعريف القائل بان الدولة هي "مساحة من الأرض ذات سكان دائمين، و إقليم محدد وحكومة قادرة على المحافظة والسيطرة الفعَّالة على أراضيها، وإجراء العلاقات الدولية مع الدول الأخرى."
الحداثة في بناء الدولة هي جوهر العملية الاصلاحية، بما في ذلك الاستناد الى مبدأ المواطنة، والشرعية الشعبية، والديمقراطية، وسيادة القانون، والمؤسسات الدستورية الفاعلة، والعلم الحديث والتقانة الحديثة، وحكومة الاغلبية السياسية، واحترام الاقلية السياسية، وحماية الثقافات الفرعية مع ترسيخ الثقافة الوطنية المشتركة، والدور الانساني للدين في تثبيت قواعد الدولة الحديثة والنظام القيمي الناظم للمركب الحضاري للمجتمع. 
ان الدولة الحديثة هي دولة الانسان؛ بمعنى انها الدولة التي تكرس مواردها من اجل خدمة الانسان وإسعاده وإشباع حاجاته لا كما تفترضها هي وتفرضها عليه، انما كيفما يحس ويشعر هو بها ، فكما لا اكراه في الدين، فكذلك لا اكراه في السعادة.
هذا ما ينبغي ان تكون عليه الحركة الاصلاحية في العراق.  فهي حركة الى الامام لتحقيق المزيد من الحداثة، والمزيد من الحضارة، والمزيد من الديمقراطية، والمزيد من العدالة،  والمزيد من الحرية والعلم والتكنولوجيا، ولا يقبل منها التراجع  الى الوراء والنكوص عما يمكن ان يكون قد تحقق حتى الان.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي