رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 27 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2518

لأول مرة منذ ستة عقود.. إيران تطلب قرضا دوليا تحت وطأة كورونا

الاثنين - 23 اذار( مارس ) 2020

بغداد ـ العالم
لا شك في أنَّ أزمة فيروس كورونا الحالية ستُقوِّض الاقتصاد الإيراني وتؤدي إلى انكماشٍ كبيرٍ في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. 
وتتوقع بعض التقديرات المبكرة حدوث انكماش يصل إلى 3%، ولو أنَّه لا يزال من المبكر للغاية تقديم تقييم موثوق. 
وأعلنت الحكومة الإيرانية بالفعل عدداً من التدابير لدعم الفئات الاجتماعية الضعيفة، وكذلك الشركات التي ستتضرر بشدة جرَّاء التراجع الاقتصادي الحالي. لكن في ظل معاناة الحكومة نفسها من عبءٍ ثقيل من عجز الموازنة، والعقوبات الخارجية، وسوء الإدارة، فضلاً عن انهيار أسعار النفط العالمية، فأي تأثير ستتركه تلك التدابير؟
حزم الإنقاذ المالية لن تشمل الجميع
يقول بيجان خاجيبور، الخبير الاقتصادي الدولي، في مقالة له بموقع Al-Monitor الأمريكي، من الواضح أنَّ التحدي الأول عند تصميم وتطبيق المُحفِّز الصحيح للشركات الإيرانية هو حقيقة أنَّ الحكومة نفسها هي اللاعب الاقتصادي الأكبر في البلاد، وهو ما يتعارض مع كونها الطرف المُنظِّم للقطاعات الاقتصادية. يعني هذا أنَّ المُحفِّزات المباشرة مثل حِزم الإنقاذ المالية ستُقدَّم بالأساس لكبرى الشركات الحكومية أو شبه الحكومية وتُبطِل الغرض الفعلي منها.
بالتالي، فإنَّ تركيز الحكومة مُنصبٌّ في مكان آخر، إذ حددت عدداً من القطاعات التي تُقدَّم لها المساعدة المالية، وإن كان الدعم الفعلي يبقى مبهماً. ووفقاً للبنك المركزي الإيراني تلقّت المصارف التجارية في البلاد تعليمات بتقديم قروض منخفضة الفائدة لـ10 فئات من الشركات الأكثر تضرراً بتفشي فيروس كورونا المستجد (COVID-19)، وتتمثل في المطاعم، ومتاجر بيع المكسرات المجففة والحلوى وما شابه، ووكالات السياحة والسفر، وشركات السياحة، وقطاع الضيافة، وشركات النقل، وشركات الطيران، وشركات النسيج، ومُصنِّعي المنتجات الجلدية، والمراكز الرياضية والترفيهية، ومُنظِّمي الفعاليات.
في الوقت نفسه، يعتقد إبراهيم دوروستي، نائب رئيس غرفة النقابات، أنَّه لا يجب على الحكومة التركيز على قطاعات معينة وحسب، بل ينبغي أن تُقدِّم مُحفِّزات لكل الشركات. ويتوقع دوروستي أيضاً أن تظهر التبعات الاقتصادية الرئيسية للأزمة الحالية في غضون ثلاثة أشهر.
وفي خضم هذا النقاش، فإنَّ تركيز الحكومة مُنصبٌّ على الحد من التأثير الاقتصادي على فئات الدخل المنخفض. ونُشِرَت تفاصيل التدابير الحكومية يوم 16 مارس/آذار، وما من إشارة على تخفيف الضغط عن الشركات. وتتضمَّن التدابير الرئيسية ما يلي:
– تقديم منحة نقدية لمرة واحدة إلى فئات الدخل المنخفض خلال الأشهر الأربعة المقبلة. ووفقاً لنائب الرئيس ورئيس منظمة الإدارة والتخطيط، محمد باقر نوبخت، حددت الحكومة المستفيدين من المنح المالية وليس لهم مصدر آخر للدخل، وستُعزِّز دخلهم من خلال التحويلات النقدية الإضافية.
– بالإضافة إلى ذلك، سيحصل العاملون بقطاع التجزئة والباعة المتجولون الذين فقدوا وظائفهم نتيجة الأزمة على قرض بدون فائدة بقيمة 20 مليون ريال إيراني (أي نحو 474 دولار أمريكي بسعر الصرف الرسمي). وسيُسدَّد القرض على مدى 30 شهراً، ويُقدَّر أنَّ 4 ملايين مواطن سيحصلون على تلك المنحة.
– تمكين الأمهات العازبات من خلال ورش عمل لموائمة قدرات الأمهات العازبات بالاحتياجات الحالية لسوق العمل. لن يُترجَم هذا إلى دعمٍ مالي فوري، لكنَّه قد يُحسِّن فرص المُستهدَفات في الحصول على وظائف مستدامة.
هل تنجح هذه الخطط؟
تتمثل خطة أخرى في زيادة رواتب الموظفين الحكوميين بـ50% في السنة الإيرانية الجديدة، ويُعَد الموظفون الحكوميون العاديون من بين الفئات الأكثر فقراً في المجتمع، وزيادة رواتبهم فوق معدل التضخم ستزيد قوتهم الشرائية وقدرتهم على التقيُّد بالتدابير اللازمة لوقف انتشار الفيروس.
قد يكون التركيز على تقليص الفقر مرتبطاً بالاعتراف بأنَّ الفيروس يضرب بالأساس الفئات الاجتماعية الأكثر فقراً. في الواقع، جاء التحذير الرئيسي من مستشار سابق للرئيس حسن روحاني، مسعود نيلي، الذي حذَّر من أنَّ الفقر قد “يصبح بؤرة نقل وانتشار المرض”.
ومن الواضح من الخطط السابقة أنَّ التركيز مُنصَبٌّ على احتواء انتشار الفيروس وليس على دعم اقتصاد البلاد. بعبارة أخرى، يجري التعامل مع فيروس كورونا المستجد باعتباره أزمة صحية عامة وليس كارثة اقتصادية.
في غضون هذا، ركَّزت وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية أنشطتها على المسائل العملياتية مثل تسريع عمليات الجمارك للمواد اللازمة لقطاع الرعاية الصحية، وليس التركيز على احتياجات الشركات.
وأيَّاً ما كان البُعد الذي ترغب الحكومة في منحه الأولوية، ستكون المسألة الجوهرية هي ماليات الحكومة. إذ ستكون هناك حلقة مفرغة في الاقتصاد الإيراني، وستتكثف تلك الحلقة؛ فعلى سبيل المثال، سيؤدي انخفاض النشاط التجاري إلى عائدات ضريبية أقل للحكومة، والذي بدوره سيزيد عجز الموازنة والاقتراض الحكومي الذي تُضخِّمه النفقات الإضافية المرتبطة بالتحويلات النقدية. وستفرض آثار التضخم ضغوطاً أكثر على الوضع المالي للحكومة وعلى الاقتصاد ككل.
توضح هذه الظروف لماذا قررت طهران التقدم بطلب للحصول على قرض بقيمة 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي للمرة الأولى منذ نحو 60 عاماً. وفي الوقت نفسه، يعتقد عددٌ من أصحاب المصلحة السياسيين أنَّه كان من الخطأ التقدم بطلب للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. فهناك جوانب سياسية وأخرى مالية تجعل القرار مثيراً للجدل. فعلى الصعيد السياسي، وجَّهت القوى المعارضة لحكومة روحاني انتقاداتٍ مفادها أنَّ الحكومة كانت بحاجة لموافقة “مجلس الشورى” قبل التقدم بطلب الحصول على قرض. لكن الانتقاد الرئيسي يتمثل في أنَّه كان من الأفضل إجراء تقييمات مالية أكثر دقة للأزمة قبل التواصل مع صندوق النقد. 
وعلى أي حال، من المستبعد منح هذا القرض لطهران جزئياً بسبب قواعد صندوق النقد، وجزئياً بسبب استخدام واشنطن لنفوذها في الصندوق لرفض الطلب الإيراني.
وبالنظر إلى أنَّ الأزمة جعلت اتباع مقاربات جديدة أمراً ممكناً، ينبغي أيضاً ملاحظة أنَّ المبادئ التوجيهية الجديدة تُلزِم الحكومة بإشراك وتمكين مؤسسات المجتمع المدني للمساعدة في عملية القضاء على الفقر.
وأدَّت سياسات وقرارات السنوات القليلة الماضية إلى استعداء مجموعات المجتمع المدني في البلاد، التي تحاول الآن تجاوز حالة عدم الثقة التي تسود بوضوح العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. وفي الوقت نفسه، فإنَّ الكارثة هائلة لدرجة أنَّه يمكن الشعور بمستويات جديدة من التضامن. فعلى سبيل المثال، لم تُسهِّل ما تُسمَّى بـ”حملة نَفَس” –وهي تحالف من المنظمات غير الحكومية والشركات وغرف التجارة- إنتاج واستيراد السلع والخدمات اللازمة، بل وأنشأت كذلك عيادة متخصصة لمعالجة المرضى. علاوة على ذلك، وفي خطوة مثيرة للاهتمام، قدَّمت “فرابورس”، وهي السوق الأصغر للأوراق المالية في طهران، شهادات للتمويل الجماعي بهدف تعبئة الموارد لمحاربة فيروس كورونا. وستُستخدَم الأموال التي تُجمَع لشراء الأدوات والمنتجات الطبية اللازمة لدعم جهود احتواء الأزمة.
وتُكمِّل بعض الرؤى البنّاءة المُشجِّعة لمجتمع الشركات التوجه الإيجابي للمجتمع المدني. في الواقع، سلَّط بعض قادة الأعمال الضوء على أنَّ الظروف الحالية تجبر مجتمع الشركات على القفز باتجاه الرقمنة. وعلى الرغم من وجود عقبات كبرى ثقافية وأخرى متعلقة بالبنية التحتية تعوق سبيل تحقيق الرقمنة السليمة يجري اتخاذ بعض الخطوات المهمة في مجالات الحكومة الإلكترونية، والتعلُّم الإلكتروني، والعمل عن بعد.
ضربة هائلة، هل تخرج منها سليمة؟
وإجمالاً، سيتلقى اقتصاد البلاد ضربة هائلة من الأزمة الصحية العامة، لكنَّ إيران أظهرت مرونة مذهلة تجاه مثل هذه الأزمات. في الواقع، يتمثل أحد الأسباب التي ستجعل الاقتصاد الإيراني قادراً على الخروج من هذه الأزمة بكفاءة أكثر من الدول الأخرى في حقيقة أنَّه اقتصاد تعصف به الأزمات؛ أي أنَّ الناس والشركات لديهم القدرة على التأقلم سريعاً والخروج بأقصى استفادة من المواقف الحرجة. 
قارن العديد من القادة الدوليين الظروف الحالية بحالة الحرب، وإيران واحدة من بعض الدول في العالم عانت من حربٍ مدمرة في التاريخ الحديث ونجحت في إعادة إعمار البلاد بمواردها الخاصة. علاوة على ذلك، فإنَّ شعور التضامن بين الإيرانيين داخل وخارج البلاد عالٍ، وهي ظاهرة ستساعد في إصلاح الضرر العميق الذي تسببه هذه الأزمة.
وبالتالي، إذا لم تحد الدولة ككل المجال أمام المجتمع المدني والمهنيين داخل وخارج البلاد، فستظهر قدرة جديدة لن تتجاوز أزمة فيروس كورونا المستجد وحسب، بل وتُولِّد أيضاً زخماً اقتصادياً جديداً.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي