رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 6 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2409

وهم الحضارات

الثلاثاء - 24 اذار( مارس ) 2020

نصير غدير

لنثق بالقدرة البشرية على الصمود والانتصار، ولنترك الثقة الزائدة بالحضارة؛ فالتاريخ يقول لنا كل الحضارات زالت، وانهارت، بل كانت سبباً في مآسي شعوبها وأممها.
مثالان متباعدان:
عند اجتياح داعش لثلث العراق واستحواذها على مقدرات البلد وأسلحة وآليات الجيش، شعر الجميع بأن القوات المسلحة بكل صنوفها غير قادرة على كبح الوباء، وبأن الدولة غير قادرة على حماية شعبها، لكن الشعب عاد واستجمع قواه ورفد الجيش بالمتطوعين، وشكل مجاميع الحشد، واستعاد المبادرة بدعم الجوار والقوى الدولية، الدولة هي الرمز الشكلي والعملي للحضارة.
حين وصلتُ إلى إنگلترا مع أول أيام خریف عام ۲۰۱٤، صحبة دنيا التي ابتعثت لتدرس الدكتوراه في الترجمة بجامعة برمنگهام، كانت من خططي أن أترك عملي في العراق وأستطلع العمل الأكاديمي في مجالي منطق اللغة واللسانيات، وبدأت بتحري فرص البحث هناك، لا أقول خاب أملي، ذلك أني جئت بافتراض مسبق، أو استصحاب كما يحلو لنظامي الاصطلاحي أن يسميه، بأن الجامعة ما عادت طليعة القيادة الحضارية في الاستكشاف، بقدر كونها لاهثا وراء المنح المخصصة لأبحاث التنمية التي تقررها السلطات وأصحاب رؤوس الأموال، فبحث في السيمياء على غرار توصلات پیرس ومورس مثلاً، أو محاولة كشف غموض الفونيم (الصوت) على غرار ياكوبسن وجونز وغيرهم لا وجود له هناك ولا قبول.
وجدت الجامعات، إذا خصصت ورقة لهذا فهي في إطار تطور النظام الفونيمي عند بطيئي النطق وغيره مثلاً، وليس السبب في كونهم قد استوعبوا كل ما له علاقة بفهم الفونيم، بل هو اليوم أكثر غموضاً بل إبهاماً، من اللحظات الأولى لمناقشته، ولكن السبب ببساطة  أن حكومات البلدان كانت قد خصصت مبالغ طائلة على مدى ثلاث أو خمس سنوات لرعاية بطيئي النطق! تخيلوا! أعلم أنني سأجلد على هذا القول، تخيلوا أن جامعات كبرى لن أسميها صارت دكاكين تتسابق على استجلاب الباحثين أنصاف الكفوئين لأنهم يناسبون برامجها باستجلاب أموال المنح، هذه حقيقة صار فلاسفة أوربا يعترفون بها بخيبة شديدة وقنوط أشد، قبل أيام قلت ستحتاج الرأسماليات المتطرفة إلى إصلاحات ذات طابع اشتراكي، شتمني صبيان التعصب للرأسمالية دون الانتباه إلى أن الغرب كله اتخذ اجراءات ذات طابع تأميمي واشتراكي في تدارك المهزلة الكبرى في نقص الاستعدادات الصحية في مكافحة الأوبئة، والسبب أن السياسات الرأسمالية لم تخزن ما يكفي من الأسرة ومن أجهزة الإنعاش بل حتى من الكمامات، ذلك أن الطلب لم يكن كافيا لصناعتها، وكلنا يعلم عولمة الصناعة والإنتاج، وانتقال أوربا المبكر والمبالغ به إلى ما بعد عصر الصناعة، فصارت كل معاملها في آسيا، وهي تشتري المنتوجات بأقل من كلفتها في ما لو اضطرت لتصنيعها، وها هي أوربا تقف عاجزة عن صناعة احتياجاتها. 
الحضارة التي تتفرعن وتقرر مصير الجميع تقف عاجزة مذهولة دائماً أمام أي تهديد خارج سيناريو المصائر التي ترسمه، فهي ترسم مصير هذا البلد، وتطيح بآمال هذه الأمة، وتذهب بهذا الرئيس إلى السجن وتأتي بذاك الصعلوك الشحاذ ليكون زعيم الديمقراطية لهذا الشعب، ولكنها تسقط مشلولة عاجزة، لا تملك إلا أن تظهر وحشيتها بالاستهانة حتى بقيم الأرواح التي تخسرها.
هنا يأتي دور البشرية الإنسانية، لاحظوا كيف تتكاتف الناس والشعوب، في حين أن السلطات تتصرف بأنانية، لاحظوا كيف يذهب الطبيب، المسلح بكل المعرفة الطبية ضد أمراض يعرفها ليحارب فيروسا لا يعرف له علاجاً، مثل المقاتل الذي ذهب ببندقية صدئة وبضع رصاصات ليقاتل داعش المدجج بالدبابات المفخخة وبالإنغماسيين والانتحاريين، وبعدها انتصر.
ثقوا بالبشرية، ستنتصر، ولا تسمحوا للحضارة بعد ذاك أن تعرضكم للخطر، هذه النظم الزائفة عليها التراجع، وتعديل سلوكها وإلا لن يطول بقاؤنا على هذه الأرض بعد زوال هذا الفيروس.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي