رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 2 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2407

من أيامنا الأدبية

الثلاثاء - 24 اذار( مارس ) 2020

جيمس كيلمان*
عرفت صديقا من أفضل شريحة في الطبقة المتوسطة. كان طيب القلب، اسمه شارلز، وربما أطلقوا عليه هذا الاسم تيمنا بالملك الإنكليزي. ولم أكن أعرفه شخصيا، ولو تعرفت عليه لربما ترك عندي انطباعا مريحا. من لديه العلم بالغيب. عموما كان مملا بمقاييس الكبار ولكن الأطفال يميلون له ويسمحون له بالاشتراك معهم في ألعابهم. وبوجيز العبارة كانت حياته مضجرة مثل حياتنا جميعا. ومع ذلك أنا محق بالاحترام الذي أكنه له. يمكنكم أن تكونوا على يقين من ذلك. كان احتراما حقيقيا وصادقا. وكان شارل يعمل بوظيفة تناسب مقامه، فهو من أفضل شريحة من أبناء الطبقة المتوسطة. وفي نفس الوقت لديه ميول للاستقلال بنفسه،  أن يكون إنسانا متكاملا بالمعنى المجازي للعبارة.  ومثله زوجته سيان. وسيان اسم غريب بالنسبة لامرأة وهو ما زاد من اهتمامي وولعي بها. كماهو حال ولعي بالتقاليد الغيلية الإسكوتلاندية. 
ويشترك شارلز وسيان بميول فنية واحدة، وكانا مرتاحين في حياتهما. وشعرت بالسرور لذلك. كانت الزوجة من وسط الطبقة المتوسطة، امرأة ذات عمل محترم في شركة قانونية محلية، حتى حانت ولادتها الأولى. ثم تابعت بمهنتها بعد الولادة. وما أن وصل أصغر أبنائها لعمر الحضانة، أزهرت بالأمل. وبدأت تعد الشهور. كان الأولاد بحالة ممتازة، لا يعرفون التقاعس، ولا التهاون. ولا  يهابون من الكبار إذا تصادف وجودهم بنفس الغرفة. ومع ذلك كان لهم حلقة أصدقاء صغيرة. ولم يكونوا يتصرفون براحة مطلقة في السهرات التي تضم مختلف الأعمار. وكان شارلز فخورا بهذه الحقيقة. فهو يكره لهو وعبث الصغار في الجلسات العائلية. ويعتقد أنه  نوع من الفوضى وكان لدى سيان نفس التفكير، ولكن في داخلها  هناك إحساس بالذنب.  وبطريقة غير مفهومة ساورها الاعتزاز بذنبها. مع أنه ذنب مكتوم ويدخل في نطاق الأسرار. وكم كانت تبغض بشكل عام عالم الأسرار. وفي إحدى الأمسيات انفجرت أمام شارلز واعترفت له بذلك. ورد عليها بابتسامة. وكانت سيان متولهة بابتسامته. فهي رقيقة. ومن المصادفات العجيبة أن ابنتهما ورثت عنه ابتسامته. وكانت سيان تتمنى لو لدى ابنهما ابتسامة مشابهة. فهذه الابتسامات تذكرها بوالدها. مع أنها لا تهتم كثيرا لا به ولا بذكرياته. 
كانت العائلة تستجم بالعطل مرتين في العام. ولم تكن تغامر بفقدان لحظة منها، وتستغلها حتى آخر دقيقة. وفي النهاية استقر عزم شارلز وسيان على بيع البيت والسفر إلى مكان مماثل بشرط أن يحصلا على تقاعد مبكر. كانت الظروف صعبة وهذا لم يقف بوجه اغتنام الفرصة. ولست متأكدا إن ربحا التقاعد. فأخبارهما تبلغنا عن طريق الجيران. وكل مرة أقابل فيها هؤلاء الجيران لا نتذكر هذه السيرة فقط، بل نندمج بتفاصيلها. 
بقي أن أقول: إن وجود شارلز لا يفارق خيالي. وفي دائرة الاصدقاء، وأحب أن أسميها “دائرتي” بصيغة المفرد، وليس"دائرتنا” بصيغة الجمع، يغمرني إحساس عجيب لا يمكن مقاومته أن الدراما لم تكتمل، وأن الستارة لم ترفع بعد.
• من مجموعة للكاتب ستصدر في صيف 2020 في غلاسكو بعنوان "Tales of Here & Then".  ترجمة/ د. صالح الرزوق.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي