رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 2 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2407

عندما تعطس الصين

الأربعاء - 25 اذار( مارس ) 2020

ستيفن روش

 من الواضح أن الاقتصاد العالمي أصيب بنزلة برد. كان تفشي فيروس كورونا المستجد (COVID-19) متزامنا بشكل خاص مع مرور دورة الأعمال العالمية بنقطة ضعف واضحة. فقد توسع الناتج العالمي بنحو 2.9% فقط في عام 2019 ــ وهذه أبطأ وتيرة منذ الأزمة المالية العالمية في الفترة 2008-2009، وأعلى بنحو 0.4 من النقطة المئوية فقط فوق عتبة 2.5% المرتبطة عادة بالركود العالمي.
علاوة على ذلك، ازداد ضعف الاقتصادات الكبرى على مدار العام المنصرم، مما جعل آفاق أوائل عام 2020 أشد قتامة. ففي اليابان، الدولة صاحبة رابع أكبر اقتصاد في العالم، انكمش النمو بمعدل سنوي بلغ 6.3% في الربع الرابع من عام 2019 ــ وهذا أكثر حدة مما كان متوقعا بعد زيادة أخرى في ضريبة الاستهلاك. وانخفض الناتج الصناعي بشكل حاد في ديسمبر/كانون الأول في كل من ألمانيا (- 3.5%) وفرنسا (- 2.6)، خامس وعاشر أكبر اقتصادين في العالم على التوالي.
وأبدت الولايات المتحدة، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مرونة نسبية بالمقارنة، لكن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) بنسبة 2.1% في الربع الرابع من عام 2019 لا يمكن اعتباره طفرة ازدهار بأي حال من الأحوال. وفي الصين ــ صاحبة أكبر اقتصاد في العالم الآن من حيث تعادل القوة الشرائية ــ تباطأ النمو إلى أدنى مستوى في 27 عاما بنحو 6% في الربع الأخير من عام 2019. بعبارة أخرى، لم يكن هناك هامش لأي حادث في بداية هذا العام. ومع ذلك وقع حادث كبير: صدمة فيروس كورونا المستجد (COVID-19) في الصين. على مدار الشهر الفائت، أفضت تركيبة تتألف من الحجر الصحي غير المسبوق في إقليم هوبي (الذي يبلغ عدد سكانه 58.5 مليون نسمة) والقيود الصارمة المفروضة على السفر بين المدن (والسفر الدولي) إلى توقف الاقتصاد الصيني تقريبا. وتؤكد إشارات تتبع الأنشطة اليومية التي جمعها فريق مورجان ستانلي في الصين على التأثير الذي خلفه هذا الارتباك على مستوى الدولة بالكامل. فاعتبارا من العشرين من فبراير/شباط، ظل استهلاك الفحم (الذي لا يزال يشكل 60% من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين) منخفضا بنسبة 38% عن وتيرته في العام السابق، وكانت مقارنات النقل على مستوى البلاد أضعف، مما يجعل من الصعب للغاية على ما يقرب من 300 مليون عامل مهاجر في الصين العودة إلى المصانع بعد عطلة رأس السنة القمرية السنوية. كانت ارتباكات الـعَرض حادة بشكل خاص. فالصين ليست الدولة المصدرة الأكبر في العالم بهامش عريض فحسب؛ بل إنها تلعب أيضا دورا بالغ الأهمية في مركز سلاسل القيمة العالمية. يُـظـهِـر بحث حديث أن سلاسل القيمة العالمية تمثل ما يقرب من 75% من نمو التجارة العالمية، وتشكل الصين المصدر الأكثر أهمية لهذا التوسع. وينبئنا إشعار الأرباح الأخير الصادر عن شركة أبل بكل شيء: تشكل صدمة الصين عقبة رئيسية تعرقل العَرض على مستوى العالم. لكن تأثيرات جانب الطلب لا تقل أهمية. فالصين تُـعَـد الآن أكبر مصدر للطلب الخارجي لمعظم الاقتصادات الآسيوية. وليس من المستغرب أن تُـظـهِـر البيانات التجارية لكل من اليابان وكوريا الجنوبية في أوائل عام 2020 علامات ضعف لا لبس فيها. ونتيجة لهذا، بات من شبه المؤكد أن اليابان ستسجل ربعين متتاليين من نمو الناتج المحلي الإجمالي سلبيا، لتصبح هذه المرة الثالثة التي تشهد فيها اليابان الركود كلما رفعت ضريبة الاستهلاك (1997، و2014، و2019). من المرجح أيضا أن يضرب نقص الطلب الصيني الاقتصاد الأوروبي الضعيف بالفعل بشدة بالغة ــ وخاصة ألمانيا ــ وربما يؤثر سلبا حتى على الاقتصاد الأميركي، حيث تلعب الصين دورا مهما كثالث أكبر وأسرع سوق للصادرات الأميركية نموا. ويشير الانخفاض الحاد المسجل في التقدير الأولي لمشاعر مديري المشتريات في أميركا لشهر فبراير/شباط إلى مثل هذا الاحتمال ويؤكد على القول المأثور الذي صَمَد لاختبار الزمن بأن أي دولة من غير الممكن أن تكون واحة مزدهرة في اقتصاد عالمي متعثر. في النهاية، ستكون لعلماء الأوبئة الكلمة الأخيرة في ما يتصل بالفصل الختامي في قصة فيروس كورونا والتأثير الاقتصادي الذي قد يخلفه. وفي حين أن هذا العِلم بعيد تماما عن مجال خبرتي، فإنني أتصور أن سلالة فيروس كورونا الحالية أشد عدوى من فيروس سارس الذي ظهر في أوائل عام 2003 لكنها أقل فتكا منه. كنت في بكين خلال تفشي فيورس سارس قبل سبعة عشر عاما، وأتذكر جيدا حالة الخوف وعدم اليقين التي اجتاحت الصين في ذلك الوقت. الخبر السار هنا هو أن الارتباك كان قصير الأمد ــ انخفاض بنحو نقطتين مئويتين في نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لمدة ربع واحد ــ ثم أعقب ذلك انتعاش قوي على مدار الأرباع الأربعة التالية. لكن الظروف كانت مختلفة تماما في ذلك الحين. ففي عام 2003، كانت الصين تشهد طفرة ازدهار ــ حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 10% ــ وكان الاقتصاد العالمي ينمو بنسبة 4.3%. ولم يضر الانقطاع المرتبط بفيروس سارس بالصين والعالم إلا بالكاد.
* ستيفن س. روش، عضو هيئة التدريس بجامعة ييل والرئيس السابق لمورغان ستانلي آسيا، ومؤلف كتاب غير متوازن: الاعتماد على أمريكا والصين
ينشر هذا المقال بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي