رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 22 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2516

اطماع دول الجوار الكبيرة بالعراق ومعضلة الدولة العراقية الهشة

الخميس - 26 اذار( مارس ) 2020

كاظم حبيب
ثانياً: الوضع مع تركيا      
لقد خسرت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى وتوزعت مستعمراتها على الدول المنتصرة. وكانت الولايات الثلاث، ولاية بغداد والبصرة والموصل، من حصة بريطانيا. وقد أقيمت الدولة العراقية في البداية على ولايتين، هما بغداد والبصرة، في عام 1921. ومن ثم الحقت ولاية الموصل بالدولة العراقية، التي كانت ضمنها الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، في عام 1926 على وفق قرار عصبة الأمم. وتضمن القرار مجموعة من المستلزمات التي يفترض في الحكومة العراقية تحقيقها لصالح الشعب الكردي، الذي وافق على الحاق كردستان الجنوبية بالعراق، بعد رفض الحلفاء منح الشعب الكردي حقه في تقرر مصيره بالحكم الذاتي أو دولة كردية اللذين وعد بهما من قبل الحلفاء. 
لم يكن هذا الحل مريحاً للدولة التركية الحديثة التي نهضت على أنقاض الدولة العثمانية. وكانت غالباً ما تطالب بولاية الموصل لاسيما كركوك بسبب وجود أقلية قومية تركمانية بجوار الكرد والعرب والآشوريين والكلدان فيها. وبقيت القضية معلقة حتى تم التوقيع على اتفاقية الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا في 29 أذار/مارس 1946، والتي تضمنت ترسيم الحدود كما تضمنت توزيع مياه دجلة والفرات بين الدولتين لما فيه صالح الشعبين. استمر العمل بهذه الاتفاقية ولم تلغ من قبل الدولتين حتى الآن. ولكن بدأت تركيا منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين في التجاوز على الأراضي العراقية من خلال الادعاء بمطاردة القوات المسلحة التركية للبيشمركة المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK). وقد تكررت هذه التجاوزات التركية من جهة. وبسبب وجود قوات لحركة الپيشمرگة الكردية والأنصار الشيوعيين العراقيين في المناطق الريفية والجبلية من إقليم كردستان العراق وخوضها الكفاح المسلح ضد نظام البعث الدكتاتوري من جهة ثانية، وافق النظام البعثي على توقيع "اتفاقية التعاون وأمن الحدود بين العراق وتركيا" في عام 1983، التي يسمح بموجبها اختراق القوات المسلحة التركية للحدود العراقية بمسافة 20 كم بذريعة مطاردة قوات الپيشمرگة التابعة لحزب العمال الكردستاني. ويبدو إن هذه الاتفاقية لم تلغ من جانب الحكومة العراقية أو مجلس النواب العراقي حتى الآن. وتشير بعض المصادر إلى وجود اتفاقية موقعة بين الحكومة التركية وحكومة إقليم كردستان العراق في عام 1995 منح بموجبها حق الحكومة التركية إقامة بعض المعسكرات على أراضيها. وفي ضوء هاتين الاتفاقيتين تتذرع الحكومة التركية في تغلغلها المستمر أو في وجودها الراهن في شمال العراق عموماً وفي كردستان العراق خصوصاً، واعتداءاتها المتكررة ضد القرى والمناطق الجبلية من كردستان العراق وسقوط الكثير من الضحايا البشرية وتدمير الكثير من القرى والبيوت والمزروعات والحيوانات . وتشير مصادر عدة إلى وجود 20 معسكراً للقوات التركية في كل من مناطق أربيل ودهوك الريفية والجبلية، منها: منها قواعد باطوفة وكاني ماسي وسنكي وقاعدة مجمع بيكوفا وقاعدة وادي زاخو، وقاعدة سيري العسكرية في شيلادزي وقواعد كويكي وقمريي برواري وكوخي سبي ودريي دواتيا وجيل سرزيري، وقاعدة في ناحية زلكان قرب جبل مقلوب في بعشيقة." (المصدر: 20 قاعدة عسكرية تركية في كردستان العراق في إطار اتفاق بين أنقرة وأربيل يعود إلى عام 1995، الشرق الأوسط، بتاريخ 28 يناير 2019م، رقم العدد )[14671]). ولا شك في أن هذا الوجود يعتبر انتهاكاً صارخاً للدستور العراقي ودستور إقليم كردستان أيضاً، وغالباً ما احتجت الحكومتان ضد الاعتداءات والوجود العسكري التركي في العراق. إن الوجود العسكري والمخابراتي التركي في أراضي الدولة العراقي مرفوض شعبياً وحكومياً، ولكن بسبب هشاشة الدولة العراقية وضعفها ورفض الشعب لها، نراها عاجزة عن القيام بأي شيء غير الاحتجاج الشكلي والذي لا يأتي بثمار مناسبة حتى الآن. وعلى سبيل المثال لا الحصر نشير إلى موقف تركيا من قرار الاستفتاء الذي قررته رئاسة وحكومة إقليم كردستان إجراؤه في أيلول/سبتمبر عام 2017 حول علاقة الإقليم بالدولة العراقية. وقد هددت تركيا الكرد علناً وبرسائل كثيرة موجهة إلى القيادة الكردية بإنها ستتخذ إجراءات استثنائية إذا ما اتخذ قرار الاستقلال. وفي حينها جاء في قرار لمجلس الأمن القومي التركي ما يلي: "احتفاظ أنقرة بحقوقها في الدفاع عن مصالحها التأريخية الواردة في اتفاقيات ثنائية، ودولية حال ما نظم الاستفتاء، على الرغم من كل تحذيراتنا". لكن البيان لم يوضح طبيعة هذه الحقوق، والمثير أن المتحدث باسم الحكومة التركية (يكر بوزداج) أشار في هذا السياق إلى احتفاظ أنقرة بحقوقها التأريخية المنبثقة من الاتفاقيات الثنائية، والدولية، ولفت إلى أن هذه الاتفاقيات تنصرف إلى اتفاقية (لوزان 1923)، واتفاقية (أنقرة 1926)، واتفاقية (الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا في عام 1946)، واتفاقية (التعاون وأمن الحدود بين العراق وتركيا في عام 1983)، وهو الأمر ذاته الذي كان قد أكده أكثر من مسؤول تركي، وذلك في رسائل تركية متواصلة لكُردستان العراق،.." (راجع: تركيا واستفتاء كُردستان العراق.. معارضة علنية ونوايا خفية، مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2017). كل تلك الاتفاقيات لا تسمح للدولة التركية التدخل في الشؤون العراقية بأي حال. ولا بد من التنويه إلى إن مجلس الأمن القومي التركي لم يشر إلى وجود اتفاقية مع حكومة إقليم كردستان العراق موقعة في عام 1995. كما إن اتفاقية عام 1983، تسمح للقوات التركية مطاردة قوات حزب العمال الكردستاني والعودة إلى أراضيها، ولم تمنح هذه الاتفاقية الحق للدولة التركية بإقامة قواعد عسكرية على الأراضي العراقية. وهنا لا بد من تأكيد حقيقة أن استفتاء الكرد بشأن الإقليم هو شأن عراقي داخلي بحت لا شأن لتركيا أو غيرها فيه أولاً، كما إن الاستفتاء هو حق ثابت من حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، بغض النظر عن التوقيت أو المواقف التي اتخذت والأوضاع التي نشأت بعد الاستفتاء.
إن تركيا اليوم تحاول اليوم وبكل السبل المشروعة وغير المشروعة، التدخل الفظ في شؤون دول الجوار، إنها تعيد الحديث الفارغ عن الإمبراطورية العثمانية الجديدة وعن السلطان الجديد أردوغان وعن كون تركيا اليوم هي أصغر من تركيا الحقيقية، حسب تصريح اردوغان، والذي يعني رغبته الجامحة في التوسع على حساب أراضي الدول الأخرى وفي كل الاتجاهات الممكنة ومستعد لبناء ودعم الميليشيات المسلحة لتنفيذ مجازر دموية، كما أسس مع السعودية تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، والتدخل العسكري، كما جرى ويجري في العراق وسوريا وليبيا بشكل مباشر أو محاول التمدد في البحر كما يجري في قبرص واليونان للتنقيب عن البترول.. الخ. كما إن تركيا تتحول عملياً إلى دولة عسكرية، رغم وجود برلمان منتخب، إذ أن الدكتاتور الجديد يعمل بكل السبل لوضع السلطات الثلاث بيديه ويتحول إلى شخصية تسعى للحرب والتوسع، رغم الإخفاقات التي يتعرض لها في كل من سوريا وليبيا.
إن شبيبة العراق التي ترفض التدخل الإيراني الفظ وتناضل ضده حالياً وبقوة كبيرة، لن تنسى التدخل والوجود العسكري التركي الذي يستوجب الخلاص منه أيضاً بعد الخلاص من الطغمة الحاكمة العراقية، التي وضعت العراق تحت تصرف إيران وشوهت وهمشت الدولة العراقية، بعد اختيار حكومة جديدة مستقلة في سياساتها وقراراتها وانتخاب برلمان جديد وسلطات قضائية نظيفة ونزيهة ومستقلة، لكي يمكن التوجه أيضاَ ضد الوجود التركي في العراق وعبر نضال شعبي سلمي وبدعم إقليمي ودولي مطلوب.       

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي