رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 22 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2516

شكرا كورونا..!

الخميس - 26 اذار( مارس ) 2020

د. نداء الكعبي 

قد يستغرب القارئ من العنوان الذي اخترته (شكرا.. كورونا) لا تستغربوا فأنا لا اقصد ان اشكر الفيروس وأضراره الفتاكة، بالصحة الانسانية، انما قصدت ما وراء ذلك؛ فان فايروس كورونا نبهنا الى مواضيع، طالما نادت ونوهت بها الاديان وحثت عليها. ولم نكن نهتم بتلك التعليمات، من قبيل النظافة والتطهير والبيئة والصحة.. 
كثير من العادات التي تعودنا عليها، انما نسينا ان الاديان حثتنا على الالتزام بها، كذلك نسينا جارنا الفقير الجائع، ونحن نرمي بقايا طعامنا في سلة المهملات. ولم نسأل انفسنا يوما: هل يوجد بيت من بيوت جيراننا في حالة عوز، ممكن ان نمد له يد العون، بدل ان نرمي الاطعمة في المهملات؟ وهل نحتاج كورونا حتى تنبهنا لان نتكافل في ما بيننا، ويرفق احدنا بالاخر؟
فمنذ عدة اسابيع ومفردة كورونا تملأ مسامعنا وتحاوطنا من كل حدب وصوب: "احذروا فايروس كورونا . انه قاتل، سريع الانتشار، ينتقل بالملامسة.. "، وهكذا، حتى عادت هذه المخاوف جزءا من حياتنا اليومية، ولها نصيب الاسد في احاديثنا ونشاطنا اليومي، وبات هاجسها يحاصرنا.
أبعدتنا هذه الجائحة عن احبابنا؛ صرنا لا نلامسهم. نسلم من بعيد عليهم، خشية انتقال فيروس كورونا الينا، وغيرها من المخاوف التي حاصرتنا من الكورونا.
لكنني أتساءل: هل كورونا ارق قلبا منا كبشر؟ فهي لا تميز بين الاخرين على جنسهم وديانتهم وطائفتهم، بل الجميع لديها سواسية، فيما نحن، للآن، تعيش العنصرية، في دعة داخل أنفسنا، ولم تزل في مكان ما، تشكل الهوية والدين والمذهب، سر العيش والتعايش فيه. وهذا هو مرض العصر الفتاك، وليس كورونا، الذي يبدو انه أرحم منا.
شكرا لهذا البلاء.. إنه يمنح تلك النفوس، فرصة للمصارحة ومراجعة الذات، والعودة الى طبيعتها، مبادئها، تعاليمها السماوية التي تنص على التراحم والتكافل.
أشكر كورونا.. لأنه ذكرنا بذلك الجار الجائع. ما نحتاج اليه، هو أن نحب بعضنا بعضا، ويشفق أحد على اخر، حتى نعود الى ما جبلنا عليه.
شكرا كورونا.. لأن كثيرا من العادات بدأت تختفي، لتظهر بدلا منها مفاهيم وسلوكيات أخذت تعيد تشكيل العلاقات في ما بيننا.
شكرا "كوفيد-19".. لأنه أزال، خلال الحجر المنزلي، الكثير من الحواجز الاصطناعية التي كانت تمنع انتقالنا الى عالم أكبر، وهو الانترنت، فالعديد من مجالات حياتنا، كانت تشهد تباطؤا في استيعاب أدوات هذا العالم الافتراضي، ربما بسبب بيروقراطية عملنا وحذرنا غير المبرر أحيانا.
شكرا أيها الفيروس القاتل، لأنك سمحت لنا أن نعيش تجارب كانت تحتاج للعزلة حتى تكتمل.
شكرا.. لأنك لقنتنا درسا في الفردانية. وهذا سيكون وسيلتنا للتكيّف والحفاظ على سلامتنا، اذ ما تفشّى وباء مستقبلا، لا سمح الله.
بالتأكيد، أن تلك الجائحة، بحسب تصنيف منظمة الصحة العالمية، سوف تنتهي بصورة أو بأخرى، لكني أعتقد أن العالم بعدها لن يبقى على حاله.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي