رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 27 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2518

طائفية ساسة العراق وعنصريتهم

الخميس - 26 اذار( مارس ) 2020

رياض سعد
سيرة عبد المحسن السعدون
عندما أكمل عبد المحسن الثانية عشرة من عمره أرسله والده الشيخ فهد باشا للدراسة بمدرسة العشائر في اسطنبول بطلب من الدولة حسب سياسة الأتراك - كما ذكرنا انفا - في احتضان أبناء زعماء القبائل والعوائل الموالية، وتعليمهم لضمان ولائهم فيما بعد، ثم تبع عبد المحسن أخوه عبد الكريم في السنة التالية، بناء على طلب عبد المحسن الذي شعر بالوحدة في عاصمة الدولة العثمانية ، فأمضى الأخوان أربع سنوات في مدرسة العشائر ثم التحقا بعد إنهاء المدرسة بالكلية الحربية العالية، وتعيّنا بعد التخرج سنة 1905م مرافقين للسلطان عبد الحميد الثاني، ورقّيا بسبب ذلك مباشرة من رتبة ملازم ثاني إلى رتبة بكباشي - (مقدم) -.
وفي 1909م تزوج عبد المحسن من ابنة مدير الأوقاف التركي موافقاً على شرط أهلها بالإقامة الدائمة في إسطنبول، وكان الاتحاديون قد اعتلوا السلطة قبل ذلك، وعزلوا السلطان عبد الحميد الثاني، مما أثر سلباً في كل من كانوا حول السلطان المعزول، ومن بينهم عبد المحسن الذي خُفضت رتبته إلى ملازم ثاني، ونُقل من إسطنبول إلى أدرنة، فغضب رافضاً تنفيذ القرار، ورجع إلى العراق تاركاً زوجته في إسطنبول، لكنه أعاد حساباته في العراق، وكبني قومه سرعان ما تحول وبدل جلده فعاد إلى إسطنبول في السنة التالية، وانضم لحزب الاتحاد والترقي ليبدأ في النمو سياسياً، وكما تعلمون ان لتربيته التركية وانتمائه السياسي الى هذا الحزب اللعين الاجرامي، والذي نكل بالعرب والاكراد... أثرا بالغ التأثير في شخصيته فيما بعد اذ نشأ عنصريا حاقدا وطائفيا مريضا، ودخل المعترك السياسي بانتخابه نائباً للواء المنتفق – الجنوب العراقي !!- في مجلس المبعوثان العثماني في أواخر سنة 1910م، وهو المقعد الذي استمر يحتله حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث أعيد انتخابه في دورتي (1912م، و1914م).
وكالعادة حاول اتباع الخط المنكوس تنظيف سيرة هذا الطائفي العميل، وادعوا انه ارسل رسالة لأخيه عبد الكريم – كما يقول المثل بعد خراب البصرة، ان صدق الادعاء -، حيث قال كما يدعون: (إني جربت هؤلاء القوم، فوجدت أن الحياة معهم عيب وخزي، وعليك أن تتنحى عن الاشتراك معهم). هؤلاء المدلسون الا يستحون من تزوير الحقائق التاريخية, انظر الى ما يصبون اليه, يحاولون اقناع الجماهير ان عبد المحسن الذي تربى في احضان الاتراك، وتفانى في خدمتهم وانتمى اليهم قلبا وقالبا حتى انه نسي لغته الام – والمفروض ان اصله عربي! – بل ان التاريخ يذكر لنا بعض شخصيات السعدون الذين خدموا الاتراك، هكذا وبعد ان صاهر الاتراك، اكتشف ان الحياة معهم عار وخزي...؛ لو كنت عراقيا حقيقيا لعرفت هذه الحقيقة من زمان؛ فالعراق كان وما يزال بلد الثوار والاحرار والمعارضة والممانعة. 
وبعد سقوط البصرة في يد الإنجليز، ظل عبد المحسن في مجلس المبعوثان، بينما عاد أخوه عبد الكريم إلى البصرة، وكشف احد النواب حقيقة رجوع اخيه الى البصرة، وذلك للاتصال بالانكليز والتعاون مع اولياء نعمته الجدد، وهذا ليس بإدعاء, فحاله حال اغلب رجال الخلافة العثمانية الذين تحولوا بسرعة البرق الى موالاة الانكليز... علما ان اخاه عبد الكريم قد اخذ حصته من المغانم الحكومية فيما بعد. وقيل انه عندما سمع بذلك اشتط غضباً، وقال: (إنني أفضل الانتحار على سماع كلمة الخيانة توجّه لي تحت قبة البرلمان، ولو كانت صادرة من أشخاص تُعرف طواياهم!).
صدقت يا عبد المحسن لكن لعنة الله على الكاذب, ان كانت كل هذه الجرائم السياسية الكبرى التي نفذتها بدءا من العمالة للإنكليز وتنفيذ اوامرهم الاستعمارية واجنداتهم الخبيثة, مرورا بضرب الطلبة المتظاهرين وقتل المعارضين وصولا للطائفية والتهجير السياسي، لا تعد خيانة للوطن فما الخيانة بنظركم ايتها الشرذمة المارقة والعصابة المنكوسة؟! 
ولعل هذه المسرحية حيكت فيما بعد, وهذه المقولة نسبت اليه بعد مقتله الغامض، لتؤكد للناس والمتابعين بان ورود التهديد بالانتحار في كلام عبد المحسن، يعطينا دلالة مبكرة على طبيعة شخصيته الرافضة للمس بسمعته الوطنية، وإشارة لبذور الفكرة السوداوية التي أنهى بها حياته فيما بعد، وكل هذا هراء لا يقبل به عاقل.
عاد عبد المحسن إلى العراق بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وانحلال مجلس المبعوثان سنة 1919م، واستقر نهائياً بين أهله في نوفمبر 1921م، بل استدعي من خلال مشاورات سقيفة الخيانة الوطنية والعمالة البريطانية، وحال وصوله وجد نفسه مرشحاً لتولي دور بارز في المملكة الوليدة، وذلك لان الامور دبرت بليل كما اسلفنا انفا؛ فتسلم حقيبة العدلية في الوزارة العراقية الثانية، بعد استقالة ناجي السويدي منها، يوم الاثنين (24 إبريل 1922م)، ثم حقيبة الداخلية في الوزارة الثالثة يوم السبت (الثلاثين من سبتمبر 1922م)، ولم يمر شهران على ذلك، حتى شكّل عبد المحسن السعدون وزارته الأولى يوم (18 نوفمبر 1922م).
وكان اختيار عبد المحسن لتشكيل الحكومة بهذه السرعة، يرجع إلى أسباب تتعلق بالظروف السياسية المضطربة والغبن والتمييز الطائفي؛ اذ عمد الانكليز الى رجل أكثر حزماً وطائفية وحقارة من الشيخ المسن عبد الرحمن النقيب رئيس الوزراء السابق, واكثر ظلما وبطشا وعمالة، وذلك من أجل الإسراع في تنفيذ انتخابات المجلس التأسيسي الشكلية, وباقي المقررات البريطانية. ويذكر للمؤرخ خيري العمري قوله في هذا الموضوع: (وقع اختيار دار الاعتماد الإنجليزي عليه بعد أن خيّب عبد الرحمن النقيب ظنها بتردده بين الإقدام والإحجام في موقف يتطلب الحزم, لا سيما بعد أن اشتدت مقاطعة الشعب لانتخابات المجلس التأسيسي، واتخذت شكلاً عنيفاً في الجنوب، حيث انتشرت فتاوى العلماء بتحريم المشاركة في الانتخابات).
حتى الطائفي الشيخ عبد الرحمن، كان مترددا وخائفا من مغبة الاقدام، الا ان الانكليز يعرفون معادن الرجال جيدا، لذلك اختاروا هذا المريض النفسي لتنفيذ هذه المهمة القذرة، والتي ترتب عليها ما ترتب من تداعيات، عانى العراقيون منها طوال عقود من الزمن. 
وبانتخاب المجلس التأسيسي انقضت مهمة حكومة السعدون الأولى، فاستقال يوم الاثنين (15 أكتوبر 1923م)، وتولى رئاسة المجلس التأسيسي المنتخب إلى أن شكل وزارته الثانية في (26 يونيو 1925م)، والتي استمرت لأكثر من سنة حتى استقالت يوم الاثنين (6 نوفمبر 1926م). وحصل عبد المحسن السعدون إبان وزارته الثانية في (يوليو 1926م) على وسام الفروسية، ولقب (سير) من ملك بريطانيا جورج الخامس، تكريما لجهوده في تكريس نفوذ الاحتلال البريطاني، وتنفيذ المخططات البريطانية التي تهدف الى نهب ثروات العراقيين الاصلاء وابعادهم واقصائهم عن الحكم، بل والتنكيل بهم؛ ثأرا لضحايا الانكليز في ثورة العشرين. وقد تم تسريب بعض المعلومات عن ملتقى المحفل الماسوني الذي اجتمع عام 1920وناقش ثلاثة قضايا: قضية الارمن, فلسطين, والعراق. وبما يخص العراق قرر المحفل ما نصه: (الشعب العراقي شعب مشاغب ينبغي ان يؤدب)، وقد صدقوا بما قالوا ووفوا بعهدهم؛ اذ لم ير العراق خيرا منذ ذلك الوقت والى الان, وتم تدمير وتخريب كل شيء فيه, ولعل المواطن العراقي البسيط نال القسط الاكبر من هذا الكم الهائل من العذاب والتشرذم والضياع، وتغييب الهوية الوطنية الحقيقية. 
كما حصل عبد المحسن أيضاً على وسام الرافدين من الدرجة الثانية من الملك فيصل الأول، وهو أول عراقي يحصل عليه، ومن مناصبه الأخرى التي تولاها خلال حياته السياسية - القصيرة المدة الطويلة التداعيات والاثار السلبية - عدا ترؤسه المجلس التأسيسي، انتخابه رئيساً لمجلس النواب سنة (1926م)، ورئاسة مجلس الأعيان في السنة التي تلتها.
وفي هذا الوقت، تعرض عبد المحسن السعدون لمحاولة اغتيال، بينما كان صاعداً درج ديوان مجلس الوزراء يوم الثلاثاء (10 أغسطس 1926م).
شغل عبد المحسن السعدون منصب رئيس الوزراء للمرة الثالثة بعد وزارتيه الأولى والثانية في 14 كانون الثاني 1928 خلفا لوزارة جعفر العسكري الثانية. استمرت الوزارة حتى عام 1929؛ اذ السعدون استقالة وزارته في يوم 20 كانون الثاني من العام نفسه، وقبلها الملك فيصل الأول في اليوم التالي، وبقيت حكومة تصريف إعمال بالوكالة لمدة 98 يوما لحين تشكيل الحكومة الجديدة، وظلت الوزارة تعرض على البرلمان القوانين الجديدة التي كانت وضعتها قبل استقالتها إلا أنها لم تضع أية لائحة قانونية أخرى.
المحطات السياسية الطائفية للسعدوني عبد المحسن
كما هو معلوم ان منصب رئيس الوزراء تم استحداثه في العراق الحديث يوم 11/10/1920, وتولى هذا المنصب (34 شخصا) بعضهم تولاه أكثر من مرة، ومع جمع حالات التكرار، يكون مجموع حالات التولي للمنصب 61 مرة؛ وكل هذه الوزارات البائسة النحسة لم تتشرف بترشيح رئيس وزراء عراقي اصيل من ميسان والبصرة - البقرة الحلوب -؛ وذلك مراعاة لمشاعر ابناء الانكشارية والعثمنة من الشركس والقرج والشيشان...(خاف يزعلون )..!!.
المشكلات التي واجهت الوزارات النقيبية والاعتراضات الجماهيرية والغضب الشعبي... ادت الى طرد وزارة الدخيل العميل عبد الرحمن النقيب الى غير رجعة. هذا الشيخ الطائفي الذي طالما هدد الانكليز به الملك فيصل، اذ قالوا له في احدى المرات: اما ان تلتزم الصمت وتدع هذا الشيخ يسرح ويمرح ويقرر كيفما يشاء او ان تترك البلاد..!! 
 وكما هو معلوم ان وزير الداخلية عبد المحسن السعدون - في الوزارة النقيبية - استقال من وزارته، احتجاجا على عدم اقرار زملائه سياسة الشدة والبطش, التي قرر انتهاجها لتسيير الانتخابات العامة الشكلية بالقوة، ارضاء لأسياده الانكليز, اذ كان متحمسا للشروع في الانتخابات العامة للمجلس التأسيسي. وكان يود من صميم قلبه تذليل كل الصعوبات والاعتراضات الشعبية الواسعة والوقوف في وجه كل من يدعو الى مقاطعتها من احرار العراق... لكنه فشل في تحقيق هدفه المشؤوم, وحل محله المستر (كورنواليس) المستشار البريطاني للداخلية, حينها ادرك برسي كوكس... ان لا فائدة من هذه الوزارة النقيبية. وقال يمكن ايجاد وزارة جديدة .., غير نقيبية تحل المشكلة..., وتستطيع جمع المجلس التأسيسي لإبرام المعاهدة وتنفيذها. وكان ينظر الى عبد المحسن السعدون نظرة اعجاب، نظرا لما يتمتع به عبد المحسن من مزايا وطنية عظيمة، بحيث جعلت المحتل الانكليزي يعجب به ويسلمه زمام ادارة البلد!
هذه الطريقة المنكوسة في التعاطي مع التاريخ، هي طريقة العصابة المارقة التي تحاول اضفاء بطولات وهمية ومزايا مزيفة لشخصياتهم العفنة العميلة الطائفية الحقيرة. 
والرجل كان يؤمن بسياسة التعاون مع بريطانيا العظمى بل بالانبطاح امامها ونزع السروال, وكان الهدف تصديق المعاهدة العراقية البريطانية واقرارها من قبل المجلس التأسيسي؛ وفي يوم 10 كانون الثاني 1923م تعيّن عبد المحسن السعدون، اضافة الى رئاسته لمجلس الوزراء (وزير الداخلية), ولعل هذا الخطوة الشيطانية كانت الحجر الاساس في بناء النظام الدكتاتوري الطائفي العنصري في العراق، وحصر المهام الامنية والعسكرية وقيادة البلد بيد رجل واحد. 
والانتخابات التي جرت لم تخل من التزوير الحكومي والتلاعب بآلية الترشيح، وتقييد حرية المرشحين والناخبين. وهذه سابقة قذرة ايضا تحسب للوطني العميل والنزيه الطائفي عبد المحسن، لكن الشعب العراقي وقوى المعارضة كشفت الزيف السعدوني مبكرا, وبالرغم من العزوف الجماهيري الكبير للاشتراك بهذه الانتخابات الصورية, اقرت رغما عن انوف العراقيين.  وللسعدون عبد المحسن جريمة اخرى تفوق كل جرائمه الطائفية والعنصرية والسياسية الاخرى، الا وهي قيامه بتهجير مجموعة من علماء الاغلبية العراقية، وعلى رأسهم العالم العراقي الشيخ الخالصي, وهذا الاجراء الاجرامي الخطير أرسى قواعد التهجير الجماعي في ما بعد واسقاط الجنسية العراقية عن بعض العراقيين. وهذه الفئة العميلة المارقة مضافا الى طائفيتها وعنصريتها قد جاءها دعم خارجي كالمعتاد واسناد بريطاني في ما يخص هذا الموضوع؛ اذ نعت المندوب السامي البريطاني السيد محمد الصدر والشيخ محمد الخالصي بـ(الايرانيين) في مذكرته لرسائل المس بيل ج2 ص224، لانهم رفضوا معاهدة التحالف المعقودة في 10 تشرين الاول عام 1922م. وقد عاد السيد محمد الصدر الى العراق في 30 مايس 1924م, وبقي الشيخ محمد ابن الشيخ الكبير مهدي الخالصي في ايران الى سنة 1949م, ومات الشيخ مهدي الخالصي غريبا في ايران. وصل خبر وفاته يوم 10 نيسان 1925م، فكان لنعيه رنة حزن عميق في الأوساط الوطنية والعلمية العراقية كافة، واتباعا لخطوات المستعمر البريطاني اتهم الطائفي الحقير مزاحم الباججي، والطائفي النتن عبد المحسن السعدون، وغيرهما الشيعة بالعجمة، وأن ثورتهم - ثورة العشرين - كانت بتدبير وتدخل الإيرانيين!, ما اعجب امر هذه الفرقة المارقة، يعيشون في كنف الجنوبيين، ويأكلون من خيرات العراقيين، ويتهمونهم بكونهم اعاجم؟!. 
كثيرة هي الافتراءات والادعاءات الباطلة التي جاءت مع المحتل الانكليزي والتي تمسكت بها الفئة العميلة المارقة، ومنها اصطلاح: (الشرقية) الذي يطلقونه تارة على اهل الجنوب، وتارة على الشيعة, وما اشبه اليوم بالبارحة.
يتبع..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي