رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 26 ايار( مايو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2441

قراءة في رواية الفقراء لفيديور دوستويفسكي

الاثنين - 18 ايار( مايو ) 2020

فراس زوين 
إن رواية الفقراء هي الرواية الأولى للكاتب الروسي الكبير فيديور دوستويفسكي الذي انجزها عام ١٨٤٦ والذي اثبت من خلالها براعته ونبوغه المبكر. وبالرغم من ان هذا العمل الادبي لم يظهر كل امكانياته، الا انه قد افصح عن عمق الرؤيا وبراعة السرد الادبي الكاشف للذات الإنسانية بكل انحناءاتها وتعقيداتها. ولعل دهشة (بيلنسكي) وهو احد اهم النقاد في تاريخ روسيا بعد ان قرأ مسودة هذه الرواية وقوله لدوستويفسكي: "هل تستوعب حقاً أيها الشاب كل تلك الحقيقة التي كتبت عنها؟ لا انت لن تقوى على ادراك ذلك وانت في العشرين من عمرك، انما هو الالهام الفني، تلك الموهبة المستمدة من الأعالي هي التي الهمتك، فاحترم فيك هذه الموهبة، ستصبح كاتباً كبيراً"، هي اول تنبؤ لنبوغ هذا الكاتب، وعلو شأنه في عالم الرواية والادب العالمي ذات يوم.
قد تكون هذه الرواية هي الأولى في تاريخ الادب التي تناولت أسلوب الرسائل في طرح مضمونها وبناء حبكتها الدرامية، من خلال الرسائل متبادلة بين الموظف البسيط الأربعيني (ماكار دييفوشكين) والفتاة اليتيمة (فرفارا ماتوشكا) وهي شابة في مقتبل العمر مات ابواها بظروف مأساوية واضطرها العوز والفقر ان تدخل في رعاية امرأة ميسورة الحال تربطهما صلة قرابة بعيدة. ولم تتوان هذه المرأة للحظة من اللحظات عن تقريعها، والتمنن بإحسانها وتعطفها، وتذكيرها بأنها قد آوتها وامها بعد وفاة والدها، ما دفع (ماتوشكا) الى ترك هذه المرأة مختارة حياة الفقر والعوز والفاقة على حياتها المليئة بالإذلال وانتقاص القيمة.
وفي تلك الاثناء يتكفلها (ماكار دييفوشكين) الموظف الذي لا يمنعه فقره المدقع وشحة ما لديه من مال من رعايتها والاهتمام بها وبتلبية احتياجاتها المادية بكل ما يملكه ويستطيع، بل انها حين تمرض يقوم طائعاً ببيع ملابسه ويقترض اموالاً بفوائد كبيرة خوفاً على صحتها، وقد يتفاجأ القارئ اذا علم انه مع كل هذا الاهتمام والتضحيات لا يكاد يراها، بل انه لا يجرؤ ان يزورها في المكان الذي تسكن فيها، مخافة النمائم، وتقول الناس على الفتاة التي يحبها كما لو كانت ابنته، ومن جهة أخرى فأنه ينفق اخر قرش يملكه عليها. 
إنّ عذابات بطلنا (ماكار دييفوشكين) لم تكن قط بسبب فقره المدقع، ولا بسبب اسماله الرثة والبالية، ولا حذائه الممزق الذي يظهر نصف قدمه، بل كانت بسبب بؤسه وشعوره بالإذلال وخسارته احترام الناس وتقديرهم، وان يرى نفسه اهون من حشرة في اعين من حوله، واحساسه ان لا فرق بينه وبين أي ذبابة، بل ان دخول الذبابة الى أي غرفة قد يثير الاهتمام والانتباه اكثر مما يثيرها دخول رجل فقير معدم كحالته الى نفس هذه الغرفة، فلم يكن الرجل يمانع ان يكون فقيراً لكنه يرفض ان يكون بائسا وان يهان بسبب هذا البؤس، وقد يخسر الانسان كل شيء وهو لا يزال انسانا. اما ان خسر ذاته واحترامه بين جنسه فلن يكون سوى حشرة! وهذا ما صوره لنا دوستويفسكي بمنتهى الروعة في احدى صفحات هذه الرواية حينما يفرح (ماكار) بشكل كبير جداً، لا من اجل المال التي يقبضه من صاحب العمل (رغم حاجته الملحة) بل لان صاحب العمل صافحه بيده، كما يصافح أي انسان محترم وذا قيمة! 
وللقارئ الكريم ان يسأل نفسه، او ان يسأل دوستويفسكي عن سر هذا الاهتمام بالفتاة من قبل شخص فقير فقرا مدقعا. بالكاد قادر على كفالة نفسه وتلبية حاجاته، بعد ان امتص الفقر لحمه وطحن المجتمع عظمه؟ 
ان الإجابة على هذا السؤال قد تعود بنا الى كلمة لدوستويفسكي في روايته الخالدة (الجريمة والعقاب) حيث يجيبنا (مارميلادوف) احد شخوصها بقوله "لا بد لكل إنسان من أن يجد ولو مكانا يذهب إليه، لأن الإنسان تمر به لحظات لا مناص له فيها من الذهاب إلى مكان ما، إلى أي مكان. هل تدرك يا سيدي الكريم؟ هل تدرك ما معنى أن لا يكون للإنسان مكان يذهب إليه؟". 
ان هذه العبارة تمثل الإجابة عن السؤال، فأن هذه الفتاة هي المكان الذي كان يذهب اليه، أي بمعنى انها انتماؤه والانسان الوحيد الذي يهتم بأمره، بل انها الهدف من وجوده ورغبته في الحياة، وكان هذا جواب (ماكار) عندما ارسلت له (ماتوشكا) تقول بانها لا تفيده بشيء، وانها ليست اكثر من عالة تثقل عليه حياته، فكان جوابه "فماذا عسى يقع لو سافرت؟ لسوف امضي الى شاطئ نهر نيفيا وينتهي الامر (ينتحر) نعم هكذا ستجري الأمور، يا فارنكا، يافارنكا، ماذا تريدين ان اصبح بدونك؟ اهٍ يا فارنكا يا حياتي يا روحي.. أتُراك تتمنين لي ان تحملني عربة موتى الى مقبرة فولوكوفو في يوم قريب وان تسير وراء نعشي امرأة فقيرة شحاذة بأسمالها البالية الخلقة وحدها في الجنازة، انه لأثم، انه لأثم شهد الله انه لأثم ان تقولي ما قلته يا ماتوشكا". وانما أوردت المقطع كاملاً لروعته وجمال أسلوبه ولأنه يختصر كل الرواية. ولعل هذه هي النهاية المكتوبة على بطلنا بعدما يتقدم لها رجل ثري في الخمسين من عمره، كانت تجمعهما علاقة سابقة فتختار قبول عرضه بالزواج والسفر بعيدا، رغم الفوارق الكثيرة بينهما، هرباً من واقعها الى واقع قد يكون اسوأ واكثر قسوة، تحت ضغط فقرها وبؤسها وسمعتها التي بدأت تصبح حديث الناس، ليبقى الرجل الذي كان لها الاب والصديق والمعين، وحيداً بلا معنى للحياة ولا هدف للوجود، وحيث أيامه الأخيرة التي قد لا يصحو فيها من سكره وحزنه.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي