رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 27 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2518

"العالم " توجه سؤالا الى 17 مثقفا حول العالم: هل أثرت كورونا على نتاجك الفني والمعرفي؟

الثلاثاء - 19 ايار( مايو ) 2020

خاص بالعالم/ إعداد علي رشيد
(الجزء الثالث)
لا جدال أن كورونا نقطة مفصلية في تاريخ البشرية المعاصر. وسيكون ما بعد تفشيه المروع مختلفا تماما عما قبله. لقد عبثت يده في عالمنا، وأحدثت متغيرات في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل وفي أدق تفاصيل علاقات الإنسان بأخيه الإنسان:
ـ كيف تنظر لهذه المتغيرات، وهل أثرت "سلبا أم إيجابا" على نتاجك الفني والمعرفي؟
ـ هل تعتقد أن ردة فعل الجميع متساوية؟ ماذا عن خططك للمستقبل وأعمالك التالية. 
ـ هل ستكون تأملات في عصر كورونا، بشكل مباشر أو غير مباشر، أم لديك اهتمامات تعتقد أنها أغنى و أعمق؟
وجهنا هذه الأسئلة لمجموعة من الزملاء الفنانين والأدباء المعروفين، أو من هم وسط الطريق نحو مشروع لم تتضح معالمه بعد. ووردتنا الأجوبة التالية. ونرتبها حسب تسلسل الأحرف الأبجدية لاسم الكنية.

ضياء العزاوي (فنان عراقي مقيم في الأردن) 
منذ بضعة أسابيع بدأت التوقعات لما يحصل، ولعل الجانب الاقتصادي هو الأبرز لما في الاقتصاد من ارتباط فعال مع الفن عبر المتاحف بما في ذلك ما تقوم به من مشاريع فنية الى جانب حرصها على اغناء مجموعتها الفنية، كلما وجدت فرصة لذلك، المؤسسات الفنية الشخصية ويتبعها في ذلك سوق الفن. بعيدا عن الفن هناك خسائر هائلة لدى العديد من الشركات الكبرى على تنوع اختصاصاتها والتي في الغالب تدخل بين الحين والآخر داعمة للمعارض الفنية الكبرى. ما اتوقعه سوف يكون هناك انحسار بالدعم لكل المتاحف ولفترة ليست بالبعيدة خاصة اذا ما اكتشف الدواء الصحيح. لكن ما هو مهم فيما حدث هو في الجانب المخيف، اذا ما اعتبرنا ان هذا الفايروس هو في الواقع احد ميادين الأسلحة الجرثومية واهتمام اكثر الدول في عملية تطويرها بشكل سري وما يتطلبه ذلك من كلف مادية هائلة، عكس ذلك فضح هذا الفايروس مدى اهمال هذه الدول المؤسسات الطبية، وما يرتبط بها من مختبرات وابحاث، ولعل ما قالته باحثة بيولوجية اسبانية عندما سئلت عن العلاج الان؟ اذهبوا لكريستيانو رونالدو او ميسي وسيجدون لكم العلاج. هذا الجواب التهكمي يعكس الصورة الحقيقية لاهتمام راس المال الذي يدير اكثر الدول المتقدمة. لا بد وان يكون هناك تباطؤ ما قد يؤثر على إقامة المعارض او بعض الاهتمامات الفنية الجانبية، شخصيا اشتغل منذ أشهر على مشروع ذي علاقة بدمار مدينتين هما حلب والموصل، ولانني اعمل على إنجازه في عمان لربما سيكون لعودة الطيران بشكل عادي عاملا على تأخير هذا الإنجاز. موضوع كورونا سيكون موضوعا عابرا قد لا يتعدى المشاركة بما طرح في بيروت من أفكار ومشاريع ذات علاقة بهذا الفايروس.

سكوت ماينار (شاعر، أوهايو، الولايات المتحدة)
الكتابة في ظل الجائحة مثل ان يضع الإنسان يده على جدار صخري: متجلد وغير نفوذ، خشن التركيب والأطراف كما تشعر من لمسه براحتك وأصابعك - فهو شوائب، وتراب ورطوبة.. وصلابة - ولكن تعلم أنه يجب أن تتابع. مع ذلك يعترض طريقك جدار. وهذا الجدار في داخلك. وهو خارجك. من كلا الطرفين. لاحظ البوذيون ذلك قبلنا حينما قالوا: الداخل، والخارج-  متماثلان.
 هل سأكتب في وقت ما عن الفيروس.
سؤال جيد، لكن جوابي: كلا.
كتبت بيتا من الشعر في قصيدة عن موضوع من هذا النوع. ولكن تذكر انني أكتب بروح مرحة غالبا - حتى لو انه مرح حزين!
تبادر لذهني في إحدى المرات: ”ماذا يهم إذا كانت النهاية كونية؟ نهايتي كونية بنظري". فاجأني ذلك بفكاهته، ولكنه بنفس الوقت حررني. الطبيعة مختلفة بنظرنا، ولدرجة ملحوظة. غير أنها جميلة. في إحدى المناسبات قال فيلسوف أنا معجب به: "الموت هو أقرب مرشد لنا". إنه يجعل منا أذكياء، ويحسننا، ويزيد من رقتنا وربما من تماسكنا. وهذا ما آمله.
كوفيد 19 مأساة. وهناك مآس كثيرة. ولكن ماذا بوسعنا أن نفعل؟ إن واجب الأحياء أن يبقوا على قيد الحياة. كان والد زوجتي يحتضر، على فراش موته. حينها نظر إلى زوجتي وقال: "يا عزيزتي، انصرفي إلى بيتك. يبدو أنك مرهقة". وانتبهت أني لم أكن أنظر إليه كإنسان بطريقه للموت، كما يقول البشر العاديون. كنت أنظر إليه كإنسان على قيد الحياة ـ حتى في تلك اللحظة، ومن بين كل اللحظات. كنت مصمما على الحياة مثله تماما، وحتى آخر ثانية، لو أمكنني ذلك.

مي مظفر/ كاتبة وناقدة
هل منّا من تخيّل رؤية عواصم العالم المكتظة بشرا وحركةً وتلوثا أن تنهزم بين ليلة وضحاها أما عدو شبحي فتخلو من كل صوت وحركة، إلا من خرير ماء نافورات، يتدفق منها الماء بإيقاع جميل ونصب فنية تحيي الفراغ، الذي لم تشهد له مثيل. كأننا أمام مشهد سوريالي. توقفت حركة السيارات والقطارات والبواخر والطائرات والأسواق والتجمعات، بل توقف الاقتتال الذي نجهل أسبابه، أو كاد. هرب سكان الأرض يحتمون بدورهم أو ما تيسر لهم من سكن. بدأنا نسمع عن طبيعة تتنفس وتلوث يتراجع وقطعان حيوانات اتخذت من شوارع المدن الحضارية ملاعبا. وانطلقت الطيور سابحة في سماء نقية.
هل جائحة كورونا - أيا كان مصدرها ومسببها - بلاء قد حلّ فعلا ليلقن الإنسان عظة ويردع غطرسته؟ أجاء ليقول للعالم كفى تماديا وجشعا وظلما وأنانية؟ التشرد والفقر والجوع في كل مكان. الرعب والموت والمعاناة شمل الأرض ومن عليها. موارد الأرض في تضاؤل والحيوانات تنقرض. الغابات تختفي والأنهر تجف. ثمة مدن قد تخسف. إنها ظواهر حذّر ويحذر منها العلماء. فنحن أمام تهلكة ورد مثيلها في قصص الأديان ودفعت الأمم إلى تغيير مسار حياتها. 
إنها الطبيعة تقف بكل كبريائها، لتقول إنها في غنى عن الإنسان، فهو تابعها ولا غنى له عنها.
هل هذا يعني أنه حين يزول هذا الوباء، سيكون لنظام الحياة شكل آخر!
قد لا يكون بوسعي تصور نمط حياتنا بعد كورونا. فأنا واحدة ممن تعلم أن يقيم في الراهن فقط وفارقت منذ عقود فكرة التخطيط للمستقبل. لقد مررنا بأخطار وضعتنا أمام الموت في كل لحظة فأصبح المستقبل بلا وجه. سنبقى مهددين. وما كورونا إلا آخر فصول تجاربنا المتسلسلة.
حياتي بعد كورونا لن تختلف عما كانت عليه. ويؤسفني أنني عشت لأشهد راهننا المحيّر بظلمه وظلامه. كورونا منحتني فرصة الانعزال والتوقف عن الحركة والتركيز على العمل. كنتُ دائما حين أتطلع إلى ما حولي وما لدي من مشاريع تنتظرني أتمنى لو أستطيع الفرار إلى جزيرة نائية، أتفرغ فيها للعمل بلا تداخلات. نظّمتُ وقتي بالشكل الذي دأبت عليه منذ عقود. أعمد إلى الكتابة صباحا ولقراءات متفرقة بعد الظهر. استطعت على مدى أيام الحجر، أن انتهي من مراجعة كتاب شرعت به قبل ست سنوات، وأنا سعيدة للانتهاء منه أخيرا. الكتاب سيكون سردا لسيرة حياة مشتركة جمعتني برافع الناصري على مدى أربعين عاما، وبه سأفي له بوعدي.
  
عبدالله الهيطوط/ رسام
لا شك أن عالم ما بعد كورونا سيكون مختلفاً تماماً عما قبله، رجة كبيرة ستحلق بالعالم؛ متغيرات كثيرة، لا قِبل للإنسان بها، ستطفو على السطح وستمس الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لقد لاحظنا كيف ولد النقاش الذي انتشر في وسائط الاتصال والميديا والنوادي الفكرية والثقافية حول تحديد وإعادة النظر في الأولويات، هذا النقاش الذي أجزم أنه سيتطور، ليصبح فكرياً، وتتمخض عليه فلسفات ونظريات جديدة تُنَظّر لسياسات قادمة ستقلب وجه العالم وتغير معالمه. هذه الارتدادات ستطال كل شيء، والفن بصفة عامة والصباغة والرسم على وجه الخصوص. 
أتوقع أن باراديغما فنيا جديدا سيولد بعد زوال الجائحة، مستفيدا من عودة فكر الأنسنة والأخلاق والقيم، بما يعنيه ذلك من انهيار للمال وللفكر الليبيرالي. أنت تذكرني دائماً بشيء ثقيلٍ على الرسام؛ الرسام الذي يكتفي، كما أثرت ذلك، غير ما مرة، بالعزلة والتأمل والاكتشاف، لكن تبقى حياة الصّباغة هي حقّاً الحياة الإيجابية بامتياز.
الصّباغة أبطأ وتأملية وتسمح بالأخطاء والتغييرات. الصّباغة تحدث ببطء تماما مثل الفلسفة التي تأتي متأخرة عن الأحداث وليس في مواكبتها، لأنها ذات منحى تأملي بالطبع. ما حدث بسبب كورونا يعد جللا وهائلا سيكون له تأثير. لكنني الآن أحاول أن أكون في حالة إصغاء. كثيرا ما تجدني مشدوها إلى لا شيء أحاول أن أستوعب ما يحصل في الجوار.. كرسام لا أستطيع القيام بأي شيء حيال مثل هكذا أهوال سوى انتظار نهاية موجة القلق السابلة... لا يمكن أن أرسم الآن، لأن كل ما سأقوم به سيكون علي إعادته بعد هدوء العاصفة.. ينقصني الشغف والحماس والمشاعر الإيجابية، هذا كل ما في الأمر. الرسم قضية جوانية روحانية وحميمية جداً، لا يمكن اصطناعها وافتعالها أو الاحتيال عليها... صعب مولانا أن يشتغل المرء تحت هكذا إحساس حد الإكراه. أنت تعلم أن شغل الصّباغة هو شغل ذاتي جواني يقتضي هدوءا ونهجا روحانيا وفكريا مختلفا، كثيراَ ما يتوقف على الإحساس الجيد والمزاج القوي الرائق.
الأمر عميق ومختلف عن باقي الأنشطة اليدوية الأخرى. دعني أوضح شيئاً هنا. ما وقع لن تسلم منه حتى الصباغة. ففي مثل هذه الصدمات الإنسانية والتاريخية الكبرى المتسمة بالخوف والهلع الكبيرين، تكون جد ثقيلة على الرسام، وهو ما يتطلب منه مساحة زمنية كبرى كي يستوعب ما حدث. لذلك، لا أعتقد أن بإمكانه تجاوز هكذا قلق بشكل سريع، لا يخضع الرسم لقانون البهافيورية، الذي تتحكم فيه قطبية الإثارة والاستجابة، الرسم ليس فعل وردة فعل. الرسام شخص مرتبك وشكاك وقلق على الدوام. الصباغة تحتاج ذلك، كما أن الألم صديق الصّباغة والرسم، لذلك، أحاول أن ألا يحول شيء بيني وبين ذلك. لم أتوقف يوماً عن فعل الرسم أو التفكير في أمره. حتى عندما لا أرسم، فأنا أقوم بذلك في خاطري هكذا أقول دوما، صورة واحدة.. مشهد واحد أو موضوع معزول يكفي الرسام بل قد يكلفه حياته كلها، فما بالك بجائحة تكاد تقتلعه من جدوره. بالنسبة للحجر او العزلة، فدائما ما كان للرسام ميل للعزلة والحجر لأنهما مناسبان له، اذا كانا اختياريا طبعاً، لكن الرسم في ظل هذه الجائحة وكل التطورات المتسارعة الآن غير ممكن، لا يمكن أن ترسم وتكتشف شيئا كما قلت وسط العاصفة، وتحت هذا الضجيج والسخب. الرسم مثل الشعر يحتاج السكون والانصات. إنه طقس خاص كله تأمل وصمت وعزلة.
أنا أعمل قليلا داخل المرسم، وأخصص وقتا للقراءة ولسماع الجاز. لقد صرت، في الآونة الأخيرة، أحلم باللوحات فقط. يتعافى الرسام بالصباغة أو بمشاهدة الصّباغة الجيدة. لا أستعجل لحظة الإنجاز، بل أتركها تأتي إلي من تلقاء نفسها دون أي عناء. ومع ذلك، يبقى الصّباغة التي في رأسي أحلى بكثير من التي تكون أمامي على القماش.
انتهى..

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي