رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 25 ايار( مايو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2441

البكاء عند أنهار تحتضر

الخميس - 21 ايار( مايو ) 2020

  علي غالب بابان
(الجزء الثاني)
لو جئنا ندرس الجغرافيا السياسية للعراق (الجيوبولتيكا) سنجد أن هناك ثلاث حقائق كبيرة تطل برأسها أو لنقل (ثلاث نقاط ضعف) واضحة تبرز للعيان. أولها أن معظم أنهار العراق أو إيراداته المائية تأتي من خارج أرضه. ثانيها أنه لا يملك إطلالة واسعة على البحر. وثالثها أنه محاط بجيران أقوياء هما (تركيا و إيران). هذه الحقائق أو نقاط الضعف ينبغي لها على الدوام أن تبقى امام أنظار من يخطط لنظرية الأمن الوطني للعراق، أو لمن يرسم سياسته الخارجية، لكي يضبط بوصلة تحركه باتجاهها أو باتجاه تلافي و تقليص تأثيراتها الضارة.
أحد مؤسسي الدولة العراقية الحديثة وهو السيد نوري السعيد رئيس الوزراء الأسبق ـ رحمه الله ـ والذي يعتبر أبرز سياسيي الحقبة الملكية، كان على ما يبدو واعيا لأهمية دجلة والفرات أو (البعد المائي) في الإستراتيجية الوطنية العراقية ولذلك نراه يولي وجهه شطر تركيا وإيران ويسعى لإقامة تحالف إستراتيجي معهما، والذي ابتدأ باتفاق مع تركيا باسم الميثاق التركي - العراقي عام 1955، ثم تبلور إلى حلف بغداد الذي ضم إيران وباكستان لاحقا بعد فترة قصيرة.
لا أظن أن دجلة و الفرات وضرورة تأمين مواردها من خلال علاقة طيبة مع جيرانه، كانت غائبة عن فكر ودوافع ذلك السياسي العراقي المخضرم، الذي اختلف العراقيون كثيرا حول شخصيته وسياساته، ولقي معارضة كبيرة من مصر الناصرية وقتها، والتي رأت أن عراق نوري سعيد سيكرس زعامته للعالم العربي على حسابها.
لكن مصر التي تعيش وضعا مائيا يشبه إلى حد كبير حال العراق من حيث كون نهرها ينبع من خارج أرضها ومن حيث اقتران حضارتها وازدهارها بالنيل، تعاملت سياستها الخارجية بكفاءة أكبر مما عملنا نحن في العراق فيما يتعلق بالملف المائي وكان النيل باستمرار أحد موجهات سياستها الخارجية ومن أهم عناصر تشكيلها.
الرئيس عبد الناصر تحدث في كتابه فلسفة الثورة عن ثلاث دوائر للسياسة المصرية وهي الدائرة العربية والدائرة الإسلامية والدائرة الإفريقية، ولم يتردد في الإفصاح عن سبب الاهتمام بإفريقيا قائلا انه النيل الذي ينبع من أرض الافارقة. الديبلوماسية المصرية نجحت في وقت مبكر من القرن المنصرم في عقد الإتفاقيات مع الدول المتشاطئة على النيل والتي تعد عشر دول و ذلك لكي تضمن حصة الأسد من إمداداته لا بل أنها نجحت في أن تمنع أي دولة على النيل من القيام بأي مشروع عليه وأن تحظى بحق الفيتو على ذلك، لكن هذا الوضع بدأ بالتغير خلال السنوات الأخيرة بسبب تحسن وضع الدول الأفريقية المتشاطئة مع مصر من الناحية السياسية والاقتصادية وتنامي حاجاتها لمياهه وتأتي اثيوبيا على رأس هذه الدول.
منذ عهد رئيسي وزراء تركيا سليمان ديميريل وتورجوت اوزال في ثمانينيات القرن الماضي وما بعده في حقبة التسعينيات سارت تركيا بخطى واسعة على طريق إقامة المشاريع على نهري دجلة والفرات علما أن فكرة مشروع (الغاب) التركي تسبق حقبة هذين السياسيين، كان سليمان ديميريل يرد على اعتراضات العراق وسوريا بالقول أن هذين النهرين ينبعان من ارضنا وهما ملك لنا. كما ان النفط الذي هو في ارضكم ملك لكم. أما تورجوت اوزال فكان صاحب نظرية (كل برميل ماء ببرميل بترول)، والسؤال الذي يبرز هنا هو أين كانت الدولة العراقية وأين رد فعلها عندما كان مشروع الغاب في بواكيره؟ الجواب هنا بكل وضوح أن الدولة العراقية ومنذ مطلع الثمانينيات موضوعة في (غرفة الإنعاش) ومصيرها معلّق بين السماء و الأرض. فهي إما منغمسة في حرب ضروس كما حدث مع إيران في الأعوام 1980 - 1988، وإما قابعة تحت حصار دولي غاشم طيلة حقبة التسعينيات وحتى عام 2003 أو دولة تحت الاحتلال ومجتمعها تعصف به الحرب الأهلية والإنقسامات.
ضعف الدولة العراقية أغرى دول الجوار للاقتتات على حقوق العراق المائية، وما زال يغريها بالمزيد طالما بقي الإنقسام. والصراع يفتك بالمجتمع العراقي ويكبل يد الدولة عن حماية حقوق العراق والدفاع عنها. ساسة العراق منشغلون بفرعيات المسائل وهوامش القضايا عن عظائم الأمور، والتحديات الخطيرة والكبيرة التي تحدق بالكيان العراقي.
الدولة العراقية بكل صراحة، وفي ظل الوهن الذي يستشري في مفاصلها بسبب الخلافات السياسية، أعجز من أن تسلط ضغطا على أية دولة من دول الجوار، من أجل حماية حقوقنا في دجلة والفرات. وكأني بتلك الدول التي ترقب ضعفنا وانقسامنا وترسل لنا مياه بزلها أو فضلات المياه التي استخدمت في الري على أرضها، تردد قول الشاعر الجاهلي عمرو ابن كلثوم حين يقول:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا
ويشرب غيرنا كدرا وطينا.
أما العراقي فهو بدوره يردد أبياتا للشاعر المصري حافظ إبراهيم حين يشكو:
أَمَن العدل أنهم يردون
الماء صفوا وأن يكدر وردي
أَمَن الحق انهم يطلقون
الأسد منهم وأن يقيد أسدي.
هذا هو حال العراقيين اليوم، أسود عاجزة عن الحركة والدفاع عن مصالح وطنها، بعد أن أنهكتها الصراعات والأحقاد الداخلية، وأطاحت بكيانها الإنقسامات والتنافسات وهو مما لا نراه في أي دولة، حيث لا يمكن لصراعات السياسيين أن تمنع الاتفاق على حماية المصالح العليا للمجتمع، ولا يمكن لأية خلافات فيها أن تتجاوز خطوطا حمراء، عندما يتعلق الأمر بأمن المجتمع وحقوقه الأساسية ومستقبل مواطنيه.
التفريط والإهدار والمظلومية هي العناوين الكبرى والعريضة لحياتنا نحن العراقيين في ما بيننا وفي داخل مجتمعنا من جهة، وفيما بيننا وبين المجتمع الخارجي بأقاربه وأباعده من جهة اخرى.
لا أجد ما أختم به هذه السطور، سوى أن اقتبس من كتاب (ميزوبوتاميا - موسوعة البيئة العراقية) الذي أشرف على كتابته نخبة من العلماء والخبراء العراقيين وأعده السيد سليم مطر؛ ففي مطلع الكتاب تجد وتحت عنوان "إلى أجيال العراق القادمة": "اغفروا لنا خطايانا بحقكم، إذ نورث لكم بيئة بلادنا الخربة، ضيعنا النفط أكبر ثروات ومكارم بيئتنا في حروب ومشاريع طائشة، تركنا أنهارنا و أهوارنا تجف، وهواءنا يتلوث بالأشعة والسموم القاتلة، ومزارعنا وبساتين نخيلنا الباسق تضمر، وآثارنا وأراضينا تصبح مقابر للقمامة والألغام و الأسلحة الفتاكة. لكننا رغم كل هذا نمتلك كل الثقة والأمل في خصب النهرين الخالدين وأرواح أسلافنا صانعي الحضارات العظيمة، هي التي ستبقى إلى الأبد تغذي شعلة الحياة والخلاص في الأجيال القادمة، فتموز مهما عطش ومات، إلا أنه لن يكف عن الانبعاث من جديد حاملا الحياة والخصب و الخضرة إلى بيئتنا)).
 ترى هل ستقبل الأجيال القادمة من العراقيين هذا الاعتذار؟ وكيف سيكون حال تلك الأجيال عندئذ؟
تنويه: استجابة لطلب الكاتب، ونظرا لأهمية المقال الذي يتحدث عن مستقبل نهري دجلة والفرات واستشراف النتائج الكارثية المحتملة، بالتزامن مع بدء السلطات التركية، تشغيل سد أليسو المشؤوم، تعيد "العالم" نشر المقال بجزءين، والذي تم نشره في العام 2011.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي