رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 25 ايار( مايو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2441

مفهوم الحضارة بين مادية ابن خلدون والمادية الحديثة

الخميس - 21 ايار( مايو ) 2020

اسحاق يعقوب محمد
(الجزء الثاني)
يرى الكاتب نصر محمد عارف أن الباحثين العرب إنما أكدوا على مفهوم ابن خلدون للحضارة وعلى اشتقاقه اللغوي من الحضر أو المدن لكونه يتناسب مع المفهوم الأوربي للمدنية و الحضارة وإلا فإن مفردة الحضارة لها مصادر اشتقاق  لغوية عربية أخرى غير المدن ومنها مثلا الحضر بمعنى الحضور أي الشهود أو الشهادة مقابل الغيب أو عدم الحضور. وأن اشتقاقه من الحضر بمعنى المدن جاء في الترتيب السادس بعد الفقرات والاستخدامات الأخرى التي ذكرها ابن منظور في لسان العرب. وأن الحضور بمعنى الشهود والشهادة هو أول استخدام يذكر دائماً في جميع معاجم اللغة, وكأنه هو أصل استخدام المفهوم, أو قرين لفظ حضر. وعلى الرغم من ذلك إلا أن جميع من رجع الى الأصل اللغوي للفظ بَحَثَ عن الحضارة بمعنى سكنى الحضر أو عكس البداوة. والشهود أو الشهادة في القرآن الكريم لها معنى آخر غير السكنى في المدن فهو معنى يتعلق بموقع أمة الاسلام في العالم وهي شهادة الأمة الوسط على الناس , وبهذا يكون معنى الحضور أو الحضارة في الاسلام هو مطلق الحضور, أي طبيعة ونسق حضور أية تجربة بشرية استطاعت أن تصوغ نموذجاً بشرياً بكل أبعادها ونواحيها. تسعى لتقديمه للآخرين ليقتدوا به ويسروا وفق منظومته على أساس أنه النموذج الانساني الأجدر بالاتباع. ومن ثم فإن الحضور مرحلة متقدمة في تجربة أي مجتمع, إذ إنَّ كثيراً من المجتمعات من المجتمعات الانسانية تقتصر على مجرد الوجود دون حضور. ومن ثم لا يمكن إطلاق مفهوم الحضارة عليها مهما كان نتاجها الذهني والمادي, طالما وقفت عند مجرد الوجود. إن الحضور أو الحضارة هو فوق مجرد وجود المجتمع بل وفوق وجود العمران(القيم والعقائد والمؤسسات والعمارة والفنون..إلخ) في ذلك المجتمع ذلك أن الحضور يستلزم فوق العمران تقديم نموذج للإنسانية للاقتداء به, أي نمط من العلاقات مع بني البشر الآخرين, ومع الكون, أي طرح نموذج إنساني للاقتداء به (6). وهذا المعنى للحضارة في الاسلام هو الأقرب للمفهوم الحديث لها وإن لم يكن مطابقا لها بشكل كامل كما سنبحث ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى.
    والسؤال المهم هنا هو: لماذا كانت المدينة أو طور الحضارة في نظر ابن خلدون سببا لضعف الدولة وانحطاطها بينما هي في العصر الحديث سببا من أسباب ظهور الدولة الحديثة واستمراها ونضجها بل وسبباً من أسباب نشوء وظهور الحضارة الحديثة وتقدمها ورقيها واستمراها؟. تتطلب الإجابة على السؤال البحث في دور المدينة في الحضارات الماضية أو القديمة أو التقليدية, وعن ودورها في الحضارة الحديثة؟.
 إن ابن خلدون عندما يتحدث عن طور الحضارة أو المدينة فإنه يتحدث بوصف مظاهر الترف والدعة والتأنق في الملبس والمسكن والمأكل والصناعات والزخارف وأمثال هذه الأمور وهذا يعني أنه حين يتحدث عن طور الحضارة فإن البعد المادي- وخاصة الكمالي منه - هو الطاغي في حديثه بينما تضعف الجوانب الأخرى من ثقافية ودينية واجتماعية وسياسية واقتصادية(بمعنى الانتاجية وجودة الانفاق).  
   هذا الفهم الخلدوني للحضارة قد يكون منسجما مع الفهم المادي للحضارة عند بعض المفكرين المعاصرين عندما يفسرون نشوء لحضارة الحديثة بالأبعاد المادية فقط. ولكن هناك فارق واسع بين البعد المادي الخلدوني والبعد المادي الحديث. فالبعد المادي الخلدوني سبباَ لضعف الدولة وانحطاطها بينما هو في الفكر الحديث سبباً لظهور الدولة والحضارة وتقدمهما واستمرارهما. وماذكره ابن خلدون عن الحضارة وعن مظاهرها وحقيقتها المادية وأنها سببا لضعف الدولة وانحطاطها واضح ومفهوم, ولكن أن تكون المادية الحديثة سبباً لنشوء الحضارة والدولة الحديثيتين وتقدمهما فهذا ما يحتاج الى تفسير وتحليل. المهم الآن أن نعرف أن مضمون المادية الحديثة يختلف جوهرياً عن مضمون المادية الخلدونية وهذا هو سبب اختلاف النتائج والآثار التي تترتب على كلا الماديّتين.
  وأهم الاختلافات بين الماديّتين هو أن المادية الخلدونية تضعف معها الأبعاد الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية(بالمعنى المشار اليه سابقاً). أما المادية الحديثة فهي منتجة لهذه الأبعاد ومتنامية معها, بل لا يمكنها الانفكاك عنها. والبعد الديني في المادية الحديثة والذي هو محل التساؤل هنا يجب أن لايكون مستغرباً, لأن المادية الحديثة وإن هاجمت الدين وتعاملت معه بطريقة نقدية صارمة وقيدت دوره بشكل كبير إلا أنها في الحقيقة فعلت كل ذلك في بعده الظاهري من طقوس وشعائر وممارسات يومية أو شهرية أو سنوية ولكنها في الوقت نفسه استخدمت الكثير من قيمه الجوهرية الفكرية والثقافية من مساواة بشرية وكرامة انسانية وحقوق وعدل لم يكن لها حضور حقيقي واقعي في حياة المجتمعات الأوربية في القرون الوسطى المعروفة بهيمنة الكنيسة عليها.
    لا أريد القول أنّ هذه القيّم قامت في الغرب الحديث على أسس دينية وإلا لكانت عامة لكل الناس في الأرض ولم تقتصر في التطبيق على المجتمعات الأوربية او الغربية, كما أن هذه الحضور الواقعي والحقيقي لهذه القيّم في الحياة الغربية الحديثة لايعني أنه لم يتعرض للنقض والاعتداء أحياناً كثيرة في الجانب العملي ولكن هذه القيّم كانت أسساً قوية وواضحة في التأسيس الفكري والثقافي للحضارة الحديثة والتي يقال عنها أنها حضارية مادية, سواء تم تطبيقها بشكل كامل أم جزئي.
انتهى..
المصادر
6- نفس المصدر السابق , ص و ص 55و 56و 57و 60.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي