رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2467

القيادات المعتدلة: الأمل الأكبر لمستقبل العراق

الاثنين - 25 ايار( مايو ) 2020

د.احمد الميالي*

تتوالى وتستمر ممارسات جلد العملية السياسية العراقية بسياط الصراعات والجمود السياسي ، وقد يعزى ذلك الى طبيعة النظام السياسي الذي بُني سلوكيا وفق مبدأ المحاصصة ، السياسية، لكن الحقائق والوقائع تشير الى ان الخلل والعلة ليست في النظام السياسي فحسب انما له مسببات عدة ناتجة عن الممارسات الخاطئة والمتراكمة للقادة السياسيين من مختلف المكونات : شيعة وسنة واكراد، ممن اسهموا في اضعاف النظام السياسي واجهاض كل محاولات انقاذه حينما تتاح فرص ، وتبرز قيادات ، ومبادرات وطنية تريد مواجهة هذه الاختلالات..

هذه الممارسات التي يتمسك بها القادة التقليديون الذين يعملون تحت غطاء واسوار المكونات المحصنة بذاكرة ملئية بالعداء والخوف من الاخر ، يجعل اي مبادرة او اتفاق يعمل على تخليص النظام السياسي العراقي من مخرجاته السلبية مسألة صعبة التطبيق، حتى في اللحظات التي يكون فيها الجميع تحت التهديد الوجودي ، يتم التموضع باستغلال هذه التهديدات لتعزيز المكاسب واضعاف الخصوم والمزايدة على حساب الوطن والمواطن، وهذا ماحصل بتهديد داعش الواضح والصريح ، ومحاولات توجيه مسار الاحتجاجات الشعبية وركوبها بعدما هددت بقاء تلك الطبقة السياسية، والتدخلات الاقليمية والدولية المتواصلة في الشؤون الداخلية للبلد.

إذا كان ثَمّ هنالك أمل، فإنه ينعقد ويقع على عاتق جيل شبابي جديد من قادة أكثر اعتدالا وهذا بدأ بالظهور على الساحة السياسية، ومنها شخصية رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي، مثل هذه الشخصيات تمثل جيلاً جديدا من القادة السياسيين يُراهَن على اداء مثل هؤلاء القادة إنهاء الصراعات والخلافات المحتدمة بسبب سياسات وممارسات القادة التقليديين الأكبر سناً والذي قاد اداءهم الى تدمير هذا البلد.

التعويل على شخصية الحلبوسي كونه من الشخصيات الشبابية التي لم تكن نتاج حركات المعارضة في المنفى ضد النظام السابق وبامكان مثل هذه الشخصيات تشكيل فرص واجتراح سياسات تعمل على الاسهام في بناء الدولة وفقا لاستحقاقات هذه الحقبة، فهؤلاء القادة يمثلون مصالح ما بعد ٢٠٠٣ ، المملوءة بنظرة متطلعة جديدة غير متأثرة بضغائن الماضي.

ووفقا لذلك أصبح الحلبوسي زعيماً سياسيا فعليا  لايمثل العرب السنة في العراق فحسب بل انشأ قنوات اتصال ثنائية مع المكون السياسي الشيعي والمكون السياسي الكوردي كما انه استطاع ان يستقطب العديد من الفواعل السياسية للمكون السني بعد ترأسه لمجلس النواب العراقي وتشكيل تحالف القوى العراقية الذي يضم ٥٨ نائبا، هذه الوسطية بين ثنائية المكونيّن، تؤكد انه رجل التوازنات الوطنية في العملية السياسية العراقية، اضافة الى شعبية جماهيرية من الانبار و نينوى وصلاح الدين  وديالى وبغداد. وحتى في الوسط والجنوب ، شكل الحلبوسي خطاً مستمراً من التواصل معهم و عمل على طمأنة مخاوف هؤلاء وتمثيل مصالحهم، كل هذه المعطيات ستكون عامل منع لاي اختراق يؤخذ بعين الاعتبار عند أي عملية مضادة لاسقاط شعبيته اعلاميا وسحب الثقة منه سياسيا.

هذه الحملة المضادة بدأت منذ اول ايام استلامه رئاسة البرلمان اذ يحاول الجناح التقليدي استعادة هذا الموقع واستمرت هذه المطالبات في كل مرة تتضرر فيه مصالح الجيل القديم ويتضخم دور الجيل الجديد الذي يمثله الحلبوسي، ولا يراد له ان يتضخم اكثر ، خاصة ان هذا المنصب سمح له بفتح قنوات تواصل ايجابي مع المجتمع الدولي، فشخصيته وتطلعاته جعلت منه رقما حقيقيا في السياسة العراقية بما أهله ليكون شخصية مقبولة لدى القوى الاقليمية والدولية مثل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وايران..، هذه النزعة المضادة تزايدت بعد دوره في رفض منح الثقة لحكومة محمد توفيق علاوي الذي كان احد الخيارات التي تريدها القوى السياسية المطالبة باقالته الان، وتكرست حملة سحب الثقة بعد تشكيل حكومة الكاظمي التي كانت بمثابة صفعة كبيرة للاحزاب المتصارعة على المواقع والمناصب، وخاصة الوزارات المتبقية، فالحلبوسي يرى ان الهدف من تشكيل أيّ حكومة هو الخروج من أزمة، ويعتقد ان شخصية تأتي من الخارج بدون تطلعات وهموم وطنية ستنذر بالذهاب إلى حكومة قد تهدد السلم المجتمعي أو تحدث شرخا بين مكونات المجتمع، ولهذا حرص منذ اللحظة الأولى على التوافق مع اغلب القوى السياسية بهذا الشأن وكانت هذه رسالة إلى جميع مكونات الشعب العراقي من رئيس مجلس النواب تمثل كل أبناء الشعب، مفادها ان اي خيار يخص تشكيل الحكومة واستكمالها لن يمر خلافا لإرادة الشعب والسياقات القانونية النافذة. وهذا ماتجسد الى حدٍ ما في سياقات تشكيل حكومة الكاظمي.

 كل مطالبات الاقالة وحملات الاتهام بتعطيل البرلمان وتشويه صورته وسمعته تندرج تحت فقدان المكاسب السياسية بدءاً بالحصول على منصب رئيس مجلس النواب ومحاولة تحجيم دور وصلاحيات رئيسه الحالي، وتوزيع الحقائب الوزارية المتبقية، والاضرار التي تكبدتها تلك القوى نتيجة اداء ومواقف رئيس مجلس النواب اتجاههم... فضلا عن قدرته  بالتغلب على اجواء سياسية تميل إلى رفض هؤلاء الذين هم من دون شيب.

الأمل الان منعقد في الحكومة العراقية الجديدة وكلاً من رئيس مجلس النواب، ورئيس الوزراء يتبنون منهجا أكثر اعتدالاً من سابقيهم، وهذا سيكون أكثر أهمية في الأيام القادمة لانجاز المطالب الشعبية واستحاقات المرحلة القادمة. 

وفي المقام الاخير نقول أن العوامل التي ستمزق العراق الى اشلاء هي الانفعالات والعواطف والطائفية والخوف والتردد من بروز  قيادات عقلانية ومشاريع وطنية جديدة ..قادرة على تمثيل المصالح بشكل عادل، والبقاء صفاً  موحدا ضد الطموحات والتدخلات الخارجية.  فلا بد ان يتم دعم واسناد القيادات الجديدة القادرة على البقاء هادئة ومعترفة بالاختلافات بين مكونات البلد، وتعرف معطياته ومتطلباته،  وبهذا سوف يكون هناك سبب للتفاؤل ، وعدا ذلك لن يبقي العراق متماسكا..

لا أحد يمكن أن يكون متفائلاً بشأن مستقبل العراق ولانريد المبالغة في القول والحديث أن هذا المستقبل معلق فقط على وجود القيادات الجديدة المعتدلة التي اشرنا لها. لكن تزداد هشاشة الديمقراطية وحضور المخاطر السياسية والمشاعر غير الناضجة في ظل محاربة واقصاء هذه القيادات التي قد تشكل الامل الاكبر لمستقبل العراق.

* استاذ العلوم السياسية جامعة بغداد

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي