رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2467

هل خسر الاسلاميون السلطة؟

الأربعاء - 27 ايار( مايو ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

يثير تولي مصطفى الكاظمي منصب رئيس الوزراء الكثير من الاسئلة خلفا لاربعة رؤساء حكومات كلهم من طينة ايديولوجية واحدة، هي كونهم منحدرين من احزاب اسلامية (ابراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي من حزب الدعوة، وعادل عبد المهدي كان محسوبا على المجلس الاسلامي الاعلى قبل خروج السيد عمار الحكيم منه)، في حين لا يحمل الكاظمي هذا النسب. صحيح انه تم ترشيحه من قبل اسلاميين شيعة، حتى لو كان ذلك شكليا، الا انه ليس من صفوفهم. فالرجل في اكثر التوصيفات تواضعا مستقل، غير حزبي، وغير محسوب على المصطلح الغامض، اعني "الاسلام السياسي"، وافضل منه الاحزاب السياسية الاسلامية.

هذه الواقعة السياسية المهمة قد تشكل نقطة تحول في مسار العملية السياسية. واقول "قد"، للتقليل، لان نقطة التحول الحقيقية سوف تتجلى في الانتخابات المقبلة، سواء اتت مبكرة، ام في موعدها الاساسي في عام ٢٠٢٢. لكن رغم ذلك، فان الواقعة اثارت الكثير من الاسئلة من قبيل: هل خسر الاسلاميون السلطة؟ ام ان العلمانيين فشلوا في ازاحة الاسلاميين عنها؟ والكلمات المفتاحية في هذه الاسئلة هي: السلطة، والازاحة، وعليه فيجب ان نتوقف عندهما قبل التسرع بالاجابة بنعم او لا عن الاسئلة السابقة.

السلطة في العراق ائتلافية. هذه هي الحقيقة التي تجذرت منذ شكل بريمر مجلس الحكم الى ان شكل الكاظمي مجلس وزرائه. فلم تشكل الحكومات العراقية المتعاقبة على اساس الاغلبية السياسية التي تتحدد هويتها في البرلمان، لسببين اساسيين، هما: السبب الاول، ان الدولة وسلطتها تشكلت على اساس المكونات وليس على اساس المواطنة، وقد تقاسم من يدعون تمثيل المكونات حقائب السلطة وفق قاعدة المحاصصة. والسبب الثاني ان المجتمع العراقي بسبب انقسامه العرقي والطائفي لم ينجح  بتشكيل احزاب سياسية على اساس الهوية الوطنية الجامعة، فلم يبرز حزب واحد قادر على ان يشكل اغلبية برلمانية مطلقة قادرة على تشكيل حكومة الاغلبية السياسية. انما اسفرت الانتخابات المتتالية عن صعود احزاب متوسطة الحجم، او صغيرة، او صغيرة جدا، مما اضطرها الى تشكيل حكومات شراكة ائتلافية تظم احزابا عرقية ومذهبية تتقاسم السلطة على اساس ما يسمى بالاستحقاق الانتخابي. ولذلك فانه من باب التبسيط السياسي المخل والمضلل جدا ان نعتبر ان الاحزاب الاسلامية حصريا هي الاحزاب الحاكمة، انما الصحيح هو ان الحكم كان وما يزال شراكة بين الاسلاميين والعلمانيين، بين العرب والكرد، بين الشيعة والسنة، وهكذا. نعم قد تتفاوت نسب المشاركة تبعا لاختلاف نسب الحجوم الواقعية.

في مثل هذا النوع من السلطة، لا يمكن اعتبار تولي الكاظمي خروجا للاحزاب الاسلامية من السلطة، لكن يمكن اعتباره خسارةً للمنصب الذي كان حكرا على مرشح الاحزاب الاسلامية الشيعية، علما ان ممارسة هذا الحق من قبل هذه الاحزاب لم تكن مطلقة، ولهذا لم يتمكن الجعفري من تولي الرئاسة للمرة الثانية، ولم يتمكن المالكي من تولي الرئاسة للمرة الثالثة، لان الفيتو الذي استخدمه الشركاء الاخرون قيد حرية "الكتلة النيابية الاكثر عددا" بالاختيار والترشيح.

ومادام البلد مازال يمارس الانتخابات، وهي المظهر الخارجي للديمقراطية التي تعرضت للتشويه المريع، فان الوقت مازال مبكرا للقطع فيما اذا كانت خسارة المنصب تكتيكية ام ستراتيجية. نحن مضطرون ان ننتظر الانتخابات المقبلة. ماعدا ذلك، فان الاحزاب الاسلامية مازالت موجودة في السلطة سواء في شقها التنفيذي ام في شقها التشريعي، اضافة الى شقها المجتمعي. ولا يستطيع الكاظمي ان يحلم بان بمقدوره التمتع بصلاحيات وسلطات المادة ٧٨ التي تقول: "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بادارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق باقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب".

هذا فيما يتعلق بالسلطة، فماذا بشأن الازاحة؟ هنا لابد ان اسارع الى القول ان هذه الكلمة مخيفة. فنحن نتحدث عن ازاحة من لمن في هذا السؤال؟ اذا كانت السلطة عبارة عن شراكة اسلامية - علمانية، عربية - كردية، سنية - شيعية، فان الازاحة تعني رغبة الطرف الذي يقوم بالازاحة بالانفراد بالسلطة، لانه يريد ازاحة شركائه في السلطة، وهذا امر يخشى كل اطراف السلطة من الحديث عنه علنا او سرا، لان المعادلة السياسية الراهنة تجعل اي محاولة للانفراد بالحكم والسلطة من خلال ازاحة الشركاء الاخرين عملية انتحارية لا يعرف احد مداها. تخيلوا ان العرب ارادوا ازاحة الكرد، ماهي خيارات الكرد المتبقية؟ او ان الشيعة او السنة ارادوا ازاحة احدهما للاخر، ماهي الخيارات المتبقية للطرف المزاح؟ اذا كان يصعب على الطرف الذي يفكر بالازاحة تصور معنى الانتحار، فليس من الصعب عليه ان يفكر بصورة اللعب بالنار!

هل هناك صراع بين الاحزاب الاسلامية والاحزاب العلمانية؟ نعم، ومنذ قيام الجمهورية في عام ١٩٥٨ حتى الان. وليس في هذا مشكلة. فالحياة عبارة عن صراعات وتدافع بين الناس بتعبير القران الكريم. لكن السؤال التالي هو: ما هو موضوع الصراع؟ والجواب المؤلم هو السلطة وليس الدولة. فالطرفان لا يملكان اي منهما مشروعا خاصا به للدولة، ولا يملكان مشروعا مشتركا للدولة، ولم يوفر الدستور الذي وافق عليه الطرفان قاعدةً لعقد اجتماعي لبناء الدولة بسبب الثغرات الكثيرة التي يعاني منها وعدم حسم الفكرة الحاكمة على مواده. وهذا، اي غياب مشروع الدولة، يجعل الصراع على السلطة بدون قواعد اشتباك وبدون سقف اعلى؛ انه ليس مثل الصراع او التنافس بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي على الرئاسة في الولايات المتحدة، وليس مثل الصراع او التنافس بين حزب المحافظين وحزب العمال على الحكومة في بريطانيا، لان مشروع الدول محسوم ومتفق عليه بين جميع الاطراف في الدولتين، اما مشروع الدولة في العراق فما زال غائبا، سائبا، سيالا. وهذا من اخطر "عيوب التأسيس" في العملية السياسية التي انطلقت من نقاط شروع خاطئة منذ ١٧ عاما.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي