رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2467

العراق.. والله زمان "يا محراثي"

الأحد - 31 ايار( مايو ) 2020

علي غالب بابان

 تعود بي الذاكرة الى سنة 1958 اي الى 62 عاما بالتمام والكمال، وكنت حينها طالبا في الصف الخامس الابتدائي  بـ(مدرسة الارتقاء) بمنطقة الصليخ ببغداد، حيث ايامي الاولى بتلك المدرسة التي جئت اليها منقولا من (مدرسة الامير عبد الاله النموذجية) بالموصل، بعدما انتقلت الأسرة من الموصل الى بغداد، وكنا في مطلع العام الدراسي. كنت يافعا في سن الحادية عشرة، وقد انفتحت عيني حديثا على بيئة بغداد، وجلست في الصف، انتظر معلم اللغة العربية، ليخبرنا بالمواد المحذوفة، والتي قررت وزارة المعارف حذفها بعد قيام ثورة 1958، بدأ المعلم بمادة النصوص ووصلنا لخطبة ليزيد بن معاوية. وقال المدرس هذه الخطبة (حذف) فصاح الطلبة عفويا (حيل)..! ثم انتقل الى كتاب القراءة، ووصل الى موضوع بعنوان (العراق بلد زراعي)، وقال هذه (حذف)، لم افهم مغزى الحذف، وعدت لمن هو اكبر مني لأساله عن السبب وراء حذف الموضوع، فكانت الاجابة (العهد الملكي يريد ان يكرس في اذهاننا ان التصنيع غير مهم، وان العراق بلد زراعي بالدرجة الاولى). اليوم وبعد كل هذه السنين أدرك ان من اتخذ قرار حذف ذلك الموضوع، لم يكن على صواب، وان فكرة العراق بلد زراعي، التي كان العهد الملكي يريد تكريسها، لم تكن مؤامرة على عقولنا، وان البلد الذي لا ينتج لقمة عيشه لا يمكن ان يكون مستقلا، وانه لا يمكن الولوج الى عصر الصناعة المتقدمة الا مرورا بقطاع زراعي مزدهر، يوفر حاجات سكانه الغذائية، خصوصا عندما يكون البلد كالعراق، حيث الانهار العظيمة والارض الثرية الممتدة.
سقى الله تلك الايام، عندما كنت اجلس مع والدي، ونفتح الراديو الكبير الحجم، ونستمع الى الاذاعة العراقية والمذيع في اخر الليل، يعلن اسعار القمح لكل نوع من انواعه. وما زلت اذكر اسماء تلك الاصناف (صابر بيك وحنطة كردية وحنطة عجيبة). واتذكر انني سألت يوما ما لماذا يسمونها عجيبة؟ فقالوا لي لانها عجيبة بصفاتها. اما الحنطة الكردية فقد شاء عبد الكريم قاسم، ان يغير اسمها فسماها حنطة شمالية، بعد ان بدأت المشاكل بينه وبين الحركة الكردية في مطلع الستينيات من القرن الماضي.
ربما تكون من حسنات انتكاسة النفط، ان نقرر او (نضطر) لإحياء الزراعة العراقية، وبالقطع فان هدفا كهذا دونه (خرط القتاد)، كما يقولون، وسيواجه تحديات كبيرة، لكن حسبنا اننا حققنا في العام الماضي نجاحات زراعية لافتة، فاكتفى العراق من القمح وقام بتصدير مليون طن من الشعير، كما حقق اكتفاء من الخضراوات، وهي انجازات يقتضينا الانصاف ان نذكرها لحكومة السيد عادل عبد المهدي المستقيلة.
امر معيب وشائن.. ان يتظاهر مزارعو الزبير لأن الطماطم التي ينتجونها، لا تذهب الى الاسواق بسبب المستورد، وقس على ذلك الكثير من المنتجات الزراعية الوطنية.
يعجبني ان استشهد هنا بقول للوزير المثابر (محمد صاحب الدراجي) الذي يكرر ان سبب محاربة الزراعة والصناعة في العراق، يعود الى ائتلاف بين (ثالوث غير مقدس)، تاجر جشع.. وسياسي فاسد.. وتدخل خارجي. واريد ان اتوقف هنا عند السياسي الفاسد بالذات. هذا الذي يريد تدمير صناعة وزراعة بلده، ارضاء لدولة اخرى او من اجل حفنة من المال الحرام. فلا ادري ما شكل وصنف هذا السياسي،  وما طبيعة الجينات التي يحملها.. أشك تماما انها جينات عراقية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي