رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2467

دورة حياة الشارع (س)

الأحد - 31 ايار( مايو ) 2020

 محمد الصوفي

لأن البدايات متنازع على حقيقتها، ندرك تدريجيا أن الشارع (س) يزداد في أهميته: ثمة نشاطات تجارية في منتصفه واطرافه تستقطب بعض الزائرين. جزء من تلك الاهمية هي راحة التجربة فيه: سهولة الوصول، التحرك، الانتظار، متعة النظر يمينا ويسارا، وامكانية قضاء اكثر من مهمة، أي، إنه متعدد الاستعمالات (Mixed-use).
ثم لسبب ما، تزدهر بعض النشاطات اكثر من غيرها، فتجذب نشاطات مشابهة لها، لان تقارير الاعمال تنصح اصحاب الشأن (Stakeholders) بالتواجد في منطقة واحدة مع المنافسين، على ان يبعدوا عنها. فيبدأ الشارع تدريجيا بفقدان خاصية التنوع التي ميزته (خلافا لبعض الضوابط)، ويتحول شيئا فشيئا الى سوق شبه متخصص، احادي الاستعمال.
عندما تقل درجة تنوعه، تبدأ ساعات عمله بالتقارب، فيصبح مزدحما اكثر خلال اوقات الذروة، ومتصحّرا اكثر بعدها. الحالة الاولى مزعجة، والثانية خطرة، لانها تزيد من احتماليات حصول الجرائم والسرقات.
بعض القدامى من اصحاب الاعمال المختلفة سيفكر بالرحيل، اذ ان البيئة اصبحت ذات توجه مختلف، بالاضافة الى ان الازدهار النسبي يمنح فرصة ذهبية للبيع، قبل ان ينعطف منحنى العقار في دوراته المشابهة لسكة الموت (Roller Coaster).
يتضاعف زائري الشارع، وبالتالي السيارات طبعا، فتتحول الاراضي الفارغة الى مواقف بالأجرة. ثم بسبب التضخم (الذي ينتج ايضا لتوفر اموال بحاجة الى غسيل!)، يلجأ الجميع للحل المعروف: الاضافة. فتحصل عملية املاء حضرية (Urban Infill)، ولكن بشكلها الاعتباطي غير المدروس. تشيد مباني جديدة على الاراضي الفارغة (التي كانت مواقف مؤخرا)، فيتم دفع المواقف الى داخل الحي، وتصبح قريبة بازعاج من الجزء السكني. يرتفع الشارع لطابق اضافي، او اثنين، فيتغير افقه، من واطئ الى متوسط الارتفاع، ويحال المتنزه العام الوحيد فيه الى الاستثمار بين ليلة وضحاها.
عندما تنتقل المواقف داخل الحي السكني، يستسلم ايضا البعض من اصحاب المنازل القديمة، ذات اشجار النخيل والحمضيات، الذين صمدوا كل هذه المدة، فيبيعون املاكهم او يعرضوها للإيجار، خلاصا من هذا الجحيم المتزايد، او طمعا بالقيمة التي وصلت اليه. ويحل محلهم جدد من طبقة اجتماعية مختلفة، وبطموحات مغايرة. هنا، يطرأ اكبر تغيير غير مرئي، وربما التغيير الأهم والأكثر ضررا للشارع والمدينة: التغيير في النسيج الاجتماعي. تسمى هذه العملية بالـ (Gentrification)، تترجم الى ”الاستطباق“، وتعرفها القواميس على انها: "توافد اشخاص من طبقة اجتماعية معينة الى منطقة ما، ومن ثم تغيير شكلها واستعمالها ونسيجها". ولاننا لا نتقن فن الاضافات ولا نلتزم بضوابطها، تختفي وحدة الشارع وسماته الجمالية التي حملتها نواته وقت الولادة، وتطغي عليه اللافتات والاسلاك والهياكل الحديدية. يصبح المشي فيه مغامرة: هناك ارصفة مكسرة تحت الاقدام، ومزروعات معرضة للدوس، وفي الاعلى لافتات مهددة بالسقوط فوق الرؤوس. وبسبب تلف المزروعات وازدياد السيارات، يتضاعف انبعاث ثاني اوكسيد الكربون، فتقل جودة الهواء وتختفي الظلال، اي ان الشارع الان صاخب، مزدحم، ملوث، وخطر.
ولان وجود نقل عام جيد هو اكثر خيالا من تنين صراع العروش، ستكثر سيارات التكسي، وهي تسير ببطء، وبشكل ملاصق للأرصفة، كحركة الدهون في الشرايين، فيتصلب الشارع أكثر، مرسلا اشارت الاستنجاد للدماغ (الأمانة)، المشغول بأمور اخرى. ستنتشر فيه بعض الـ”مكملات“ الحضرية، ان صح التعبير: عربات الباعة المتجولين، ستاندات للعروض القريبة، اكشاك مؤقتة، وافواج من المتسولين (المساكين طبعا)، الذين يملكون فراسة تقدير قيمة السيارات، لكن لم يحالفهم الحظ لتعلم كتابة اسمها، او اسمهم حتى!.
ورغم كل هذه التغييرات: الاجتماعية، العمرانية، الاقتصادية، وغيرها، سيحافظ الشارع على اسمه المطلق |س|. الا انه من ناحية الاستعمال سيُكتب (٥س/٨)، ومن حيث الضغط على البنية التحتية سيُعتبر (٣س/١٤)، وبالنسبة لقيمته العقارية فقد اصبح (س)^٣، وبخصوص حركة النقل تحول الى س(س (س))/ س. اما مستقبله وما ينتظره من مفاجآت وما سيخلقه من مشاكل فهو ببساطة س/صفر، وناتجها طبعا: قيمة غير مُعرّفة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي