رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

أمريكا بين روايتين لكافكا وجيمس كيلمان

الاثنين - 29 حزيران( يونيو ) 2020

صالح الرزوق
صدرت رواية “أمريكا” لكافكا عام 1927 بتحرير صديق عمره ماكس برود، ولكن رواية “الطريق الترابي” لجيمس كيلمان صدرت بعدها بحوالي مائة عام وبالتحديد عام 2016. ومع أن موضوع الروايتين هو رحلة سياحية من أوروبا إلى العالم الجديد، كان السفر في حالة كافكا بالبحر وفي حالة كيلمان بالجو. ولا شك أن مراقبة مياه المحيط ليس مثل السباحة بين الغيوم. هذا غير جو المرفأ والقمرات والبحارة مقابل أجواء صالات المطار والترانزيت والسوق الحرة. 
إن الثقافة المائية التي تكاد تقترب من طقوس التعميد ليست على أي تشابه مع ركوب متن الطائرة والصعود بعكس الجاذبية. ولا شك أن فلسفة الحركة الأفقية البطيئة والرتيبة، في حالة كافكا، تعاكس فلسفة الحركة العمودية والخاطفة في حالة كيلمان. وهذا يضمن لكل عمل جوا خاصا به. الأول بما نعرفه عنه من بطء وتسلسل ونبش في الذاكرة النفسية. والثاني بما عهدناه فيه من تسارع بالحركة وتسخين لجو الأحداث وابتعاد عن الذاكرة بقدر الإمكان. ويمكن القول إن كافكا يعيش في لحظة جامدة، في حين يأمل كيلمان بالقفز مباشرة نحو أبدية لها علاقة بذاكرة الجماعة وليس ذاكرة الأفراد. ولذلك لا يوجد مبرر لتتويج كيلمان بتاج الشوك الذي وضعه كافكا على رأس أبطاله. ويكفي أنه منذ أن تدوس أقدام أبطال الروايتين أرض أمريكا تبدأ الحبكة بتوسيع وتعميق الاختلاف. والغريب أن المضيف في العملين هو نائب لأم أو أب. الخال عند كافكا، وهو إنسان متقلب وأناني ومتسلط. ويشغل مرتبة سيناتور، ودائما بيده عصا من البامبو (ص16) ليس بسبب التقدم بالسن، ولكن بدواعي الوجاهة والرجولة (وغني عن الذكر أن العصا رمز قضيبي مثل كل الأدوات الحادة، وأنها المعجزة التي هزمت بها النبوة الحيل السحرية). ويمكن أن تلاحظ  في هذا الخال صورة لسياسي دكتاتوري يرتدي جلد الحملان، ويختصر الرواية كلها بحبكة عن أب أو متأله. ولا يجب أن يغيب عن الذهن أن الرحلة لم تكن باختيار كارل ولكنها بإيعاز من الأبوين (وبمثابة عقاب عن علاقة غرامية غير متكافئة). وكل الأخطاء اللاحقة هي نتيجة مباشرة لهذا الإكراه والقسر. بالمقابل كان المضيف عند كيلمان هو العم. وأخذ صورة ملاك أبيض أو قلب طيب، ونادرا ما تراه متجهما أو يخلو وجهه من الابتسامة العريضة والمشرقة، وكأنه البلد الأم (أوالوطن البديل). 
ثم إن كارل، بطل كافكا، سافر بمفرده، وواجه محنته بمزيد من الشك والاغتراب، أو ما يسمى الرهاب. وبسهولة تلاحظ أنه يعاني من رهاب الغرق في الماء، ورهاب الضياع في البر. وبينهما رهاب الخصاء (ويعزز من ذلك عدة رموز تدل على العقاب والقتل والعذاب كالسيف والعصا ولسان النار، وهو بدوره كناية عن ذيل إبليس في التحليل النفسي). ولذلك كانت دراما الرواية عبارة عن صراع الإنسان المعلوم مع أقداره المجهولة. ولنتذكر مخاوف (ك) بطل “المحاكمة” لكافكا أيضا. فقد كان جلاد نفسه، بمعنى أنه ضحية ظروف اختارها وأسقطها من وعيه الباطن على واقعه. وهذا يفسرلماذا لا يوجد في أعمال كافكا فضاء مفتوح. حتى أن أحداث رواية “أمريكا” تجري في سلسلة من الغرف المغلقة، ونادرا ما تشاهد الشارع أو السهول. وإذا بدأت بصورة للمحيط ولبحارة يجدفون والعرق ينسكب من وجوههم (ص21)، انتهت بصورة وديان كئيبة غير ممهدة تغمرها الأمواج ويعلوها الزبد (ص268)(1). 
بعكس موردو بطل كيلمان، فقد رافقه والده من البيت في غلاسكو وحتى مهرجان الموسيقى في لويزيانا. وطوال الرحلة أثبت الابن أنه سر أبيه. أولا لم ينشأ بينهما صراع أجيال. وثانيا كانت عقدة أوديب مفتوحة أو مفرغة من محتواها. ويقف وراء ذلك، حتما، وفاة الأم سبب النزاع. ولذلك لعب الأب دورا مزدوجا: ارتدى وجه الأم الطيب واحتفظ بوجه الأب المجرب والناصح. لكنه لم يستعمل صلاحيات إله، ولم يفرض إرادته على أحد. وتم كل شيء بالتشاور. 
وهنا لا بد من تعقيب آخر.
في رواية كافكا لا يوجد مكان للاختيار أو التفكير. وبالعكس في رواية كيلمان تحلى الأب بأعلى درجات ضبط النفس والديمقراطية، بل أيضا أذعن لمشيئة ابنه. وإذا كانت الأمور بخواتيمها، قبل بطل كافكا، في النهاية، أن ينضوي تحت مظلة الرق والعبودية (وحمل لعنة اسم نيغرو). أما موردو، بطل كيلمان، فقد وجد فرصة ليعيش حرا مع فرقة من الموسيقيين، وعاد الأب الهرم والمسن وحيدا لبلاده. ونستطيع أن نفهم أن الأب اختار الذاكرة الوطنية، بينما اختارالابن العالم، والاندماج في مجتمع كوزموبوليتاني أو في مجتمع احتمالات. بمعنى أن النهاية كانت مفتوحة بنيويا.  وهي أشبه بنهاية سعيدة لقصة الذاكرة الوطنية المحزنة التي تجد نفسها رهينة محبسين: تاريخها وحدودها. و يبدو أن الحدود تلعب دورا أساسيا في صراع الأجيال. فالأب ينظر لها على أنها نهاية، ويعتقد “أنها خط وليس مكانا”. ويضيف بعبارة صريحة “إنها عالم محفوف بالمخاطر. إنها فانتازيا”. وهي بوقت واحد “سياسة وتاريخ وجغرافيا”. لكن الابن لا يعزو لها أي أهمية، ويعتقد أن المهم هو مبدأ الرحلة وليس الأرض، أو كل شيء متحرك وليس أي شيء ساكن. وباعتقادي إن ذلك ينسحب على تفسير مغزى الروايتين. حيث أن “أمريكا” كافكا هي مشروع أب يعذب أبناءه، ويجلدهم دون سبب واضح، ويفرض عليهم عقوبات صارمة (كالضرب ص118، والحبس ص،41، والتجريد من الأهلية ص112). ولذلك تبدو صورة الابن أقرب لإنسان نازح يعاني من فقدان الاتجاه أو ضياع البوصلة. حتى أنه لم يتمكن من الانتظار في أي مكان، وكانت تقاطع خططه الإرادة المجهولة، وتحركه بقوة الإكراه. علاوة على ذلك تخلو الرواية من أية معارف سياحية وتصور مدينة تشبه مغارة كبيرة وشريرة على شاكلة مدينة زامياتين في (نحن) أو مدينة نيويورك في قصيدة أدونيس (قبر من أجل نيويورك). بمعنى أنها فضاء أعرج أو أعور، لا يرى من الحياة غير نصفها المؤلم. أما أمريكا كيلمان فهي مقسومة بالعدل بين الأمنيات والمخاطر من طرف. وبين فلسفة الحرية والاختيار وروح المغامرة من طرف آخر. وهذا يقرب الرواية خطوة أخرى من مشروع الابن بعيدا عن ذاكرة الأب. أساسا بطل الرواية ابن ستة عشر ربيعا، ولقي أفضل رعاية من الجميع، وتكررت في النص كلمة يا بني أكثر من 100 مرة، وكان كل الكبار ينادونه بهذا اللقب. بتعبير آخر كان ابن المجتمع كله وليس ابن والده فقط. وكل من تابع أعمال كيلمان يعلم بكل تأكيد أنها لا تخلو من الشخصيات الشبابية، وهذا واضح في روايته (الصبي سميث كيرون/ 2008) وحتى أشهر أعماله (كم تأخر الوقت، كم تأخر/ 1994). وفيها يظهر الابن على مسرح الأحداث قرابة آخر خمسين صفحة، ويبدل لهجة البطل صموئيل من السباب والشتائم البذيئة إلى الوداد والتعاطف. والدليل في الحوار التالي.
يسأل الابن والده: أبي هل معك نقود؟
- نقود؟ طبعا معي نقود!.
- أنا أملك نقودا أيضا. ويمكنني أن أجلبها لك بسهولة.
- بيتر يا بني. شكرا لك.
- أبي أنا لا أحتاجها.
تنهد الأب.
- يجب أن تأخذها.
- لا.
- لم لا؟.
- لأنني لا أحتاجها.
- ولا أنا. لا أحتاجها يا أبي (ص428)(2).
ويتكرر ذلك في نهاية “الطريق الترابي” حينما يتفقد الأب أحوال ابنه كما لو أنه مربية أو حاضنة. وفي مشهد وداع مؤثر يسأله: هل لديك ما يكفي؟
- هل تعني شيئا مثل النقود؟
- كل شيء.
- نعم. قال موردو وتنهد.
- حدد؟ ماذا عندك؟
- الأساسيات.
- الأساسيات؟
- نعم يا والدي الأساسيات.
- هل لديك احتياطي.
- يا للمسيح.
- أقصد  حذاء آخر، جينز آخر.
- نعم.
- حقا؟ اعتقدت أنه لديك سروال جينز واحد؟
- معه سروال رياضة.
- وهل لديك قميص آخر؟
- آه يا أبي
- ولكن يجب أن أسأل هذه الأسئلة. هل نسيت أنه واجبي؟(3).
وهكذا يتابع الأب استجواب ابنه، وتشعر كأن الحوار سيستمر إلى ما لا نهاية بسبب الشفقة والخوف. كأنها دراما تقودها مشاعر الرهبة والخشية (بتعبير برديائيف). ويذكرنا ذلك بمشهد القبو في مقدمة الرواية حينما يعود الأب بوقت متأخر ويغطي ابنه النائم بغطاء رقيق. ومثل هذه الصورة تنظفه من عقدة أوديب إن لم تبرئه منها تماما. إنه لا يتعامل مع ابنه بعقلية مدير أسرة أو عميد عائلة. ولكن بعاطفة ملجأ أو دار للأيتام. ويحاول أن يعطيه ما تحتاج له البيضة البشرية من دفء وحنان وظل كي تكون جاهزة وناضجة. ولذلك يجوز أن نقول إن العلاقة بينهما رحمانية (مشتقة من الرحم، البيت الأول والملجأ الطبيعي لمبدأ الحياة).
يتبع..
 1- ترجمة الدسوقي فهمي. مكتبة الأسرة. 2007. 
2- ترجمة محمد حبيب. منشورات دار دال. دمشق. 2015.
3- منشورات Catapult.  2016.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي