رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

ماذا لو كانت آخر مرة؟

الاثنين - 29 حزيران( يونيو ) 2020

تمارة عماد

كل ما كتبتهُ من مقالات في السابق بموضوعيتها وذاتيتها، تعود لرأيي ككاتب، كانت كلماتها أقل وطأة في سردها، مقارنة مع صعوبة الكتابة في أوقات كهذه.
ليس لأننا لا نجد ما نكتب عنه، بل لأننا لا نجد الموضوعية والحياد التي تجعلنا نتمسك بقصة ما نناقشها، وكأن الحياة مستمرة ببساطة، وعادية!
لطالما أخافني العدد، بأن اتحول يوما ما لحاملة رقم ما بين الشهداء: أعداد الضحايا، أعداد البشر الذين رحلوا دون أن يتركوا شيئا من بعدهم. ومنهم من ترك الكثير.
الخوف ليس من الرحيل، انما من الرقم. رقم لا فائدة منهُ. ماذا لو تركت كلمة؟ ما فائدة الكلمات في وقت كهذا؟ هي أيضًا بلا معنى. الأيام تمضي فحسب. فقدت الحياة معاني كثيرة، منذ تشرين الماضي، والحياة في عيني تنحدر نحو (اللا جدوى). أخبرني صديق إنها حالة طبيعية سوف تمضي. وأستعيد شعوري بالاندفاع مجددا بحيوية نحو الحياة. أنا اكاد أجزم عدم رغبتي في ذلك. لا أحتاج لإندفاع. حاجتي تنحصر بعودة الأمور كما كانت عليه.
لطالما كنت أستشعر النِعم الكثيرة التي من حولي، وأردد في سري: "الحمدلله.. حمدا كثيرا". لا أطمح لأكثر.
الآن أرغب في التخلي عن كل ذلك العنفوان، وأحافظ على محيط، لا يكاد يتجاوز حدود المنزل.
لست لوحدي من تتساءل أو تفكر: ماذا لو كانت هذهِ آخر مرة؟
آخر مرة أرى فيها من أحبهم. آخر مرة أعد فيها قهوتي التي أحب. آخر مرة أتحرك فيها بحرية في مطبخي. آخر مرة أقود السيارة نحو عملي. آخر مرة أعتني بالنباتات وأطعم الحيوانات. آخر مرة أنظر للنجوم ليلًا وأشعر بالإنتماء إلى هناك: هناك البعيد حيث تقطن الأحلام والأفراح والأبدية، خلف الغيم والنجم.
آخر مرة أستمع فيها لموسيقاي المفضلة، وقصيدتي التي أبحر فيها نحو الجنوب. كم مرة سمعنا حياة واحدة لا تكفي، هل ستكون هذهِ آخر مرة أشم صفحات كتاب، وأكون ممتنة لهؤلاء الذين يحولون الكتب الورقية إلى إلكترونية لتكون قصص ما قبل النوم، بالنسبة لي.
آخر ابتسامة، آخر دمعة، وقبلة، ودعاء، ويقين بأن الله لن يتركنا، وذلك اليقين بوجوده سيحيطنا بالأسباب
لنكون بخير أو نغادر الحياة بسلام.. بالكثير من السلام والهدوء والفرح.
الأهم: أن نغادر بينما نفعل ما نحب، مع من نحب. أن نتوقف عن الكره والبغض والعداء. أن نتمسك بقابليتنا على العطاء، لأننا وجدنا لسبب لنتعلم ونعطي ونساهم بجعل الحياة أفضل بمقدار ابتسامة ولحظة حب صادقة عابرة غير خالدة سوى في مخيلتنا.
كل شيء إلى زوال
ولكن
ماذا لو كانت هذهِ آخر مرة
من المحتمل أن نعبر بأقل الخسائر
لكن هل تعلمنا الدرس؟
أتمنى من أعماق قلبي أن نكون كذلك
أن يكون هؤلاء البشر الناجون من الموت أقل غرورا وجنونا وإندفاعا بهمجية لا يضاهيها شيء، ولا حتى الموت.
السلام العالمي يبدأ من هنا. منك أنت. أما السياسة والحروب والصراعات التي لا تنتهي فهي باقية ببقائنا على هذهِ الأرض حتى الأزل ولن تنتهي.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي