رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

شخنوب (المرحوم)..!!

الاثنين - 29 حزيران( يونيو ) 2020

علي غالب بابان

يبدو اننا في زمن الكورونا، وإفلاس الدولة، والاجواء السياسية الملبدة بالتوتر والترقب، بحاجة الى جرعة من الطرافة، تخلصنا من الكآبة، وتذكرنا ببساطة وسذاجة اساليب التنافس السياسي بالعراق بخمسينيات وستينيات القرن الماضي.
كانت الفترة التي تلت سقوط النظام الملكي والتي اسفرت عن قيام النظام الجمهوري عام 1958 مشحونة بالصراعات والاحداث. كان العراق يغادر الحقبة الملكية بثقافتها واجوائها ويفتح نافذة على مستقبل جديد، يتصارع الفرقاء السياسيون للامساك بناصيته وتوجيه دفته. كان الاتحاد السوفياتي في عز جبروته وقوته وتجربته تخطف الابصار، وكانت الجمهورية العربية المتحدة في مصر وسوريا بقيادة عبد الناصر تقرع ابواب العراق بشدة وتغري التيارات العروبية فيه، افرزت الساحة السياسية آنذاك تيارين رئيسيين متنافسين ومتصارعين: تيار يقوده الشيوعيون والقوى المتحالفة معهم. وتيار يضم البعثيين والقوميين والاسلاميين الذين لم يكن لهم انذاك تواجد منظم، الا في صفوف السنة، حيث لم تبدأ التنظيمات الاسلامية الشيعية، الا بعد ذلك ببضع سنوات، غير ان مرجعية النجف بقيادة السيد محسن الحكيم كان لها دورها وحضورها البارز، والذي اسهم من خلال فتاوى التحريم بتراجع الحزب الشيوعي الى حد كبير في وقت لاحق.
رغم سخونة الصراع واحتدامه بين هذين التيارين، وسعي كل طرف لتسقيط الطرف الاخر سياسيا واجتماعيا، الا ان الممارسة السياسية اقترنت ببعض الطرائف والمفارقات التي تعبر عن تواضع التجربة السياسية وبساطتها في تلك الفترة، حتى ليمكن القول وبالرغم من كل ما رافقها من عنف وحدة في بعض الحالات، انها وبسبب العفوية والبساطة التي اتسمت بها، يمكن ان تندرج ضمن (ذكريات الزمن الجميل).
انحاز الشيوعيون لعبد الكريم قاسم في البداية، وكانت التهمة التي يلصقونها بخصومهم هي التآمر على الثورة ومحاولة اسقاطها والحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة، اما الطرف الاخر فكانت تهمته جاهزة: الشيوعيون ناس ملحدون، لا يعترفون بالخالق ويعادون الاسلام ويريدون اقامة نظام الحادي واباحي في العراق. كان لهذه التهم وقعها الكبير على المجتمع العراقي ذي الطبيعة المحافظة.
كان عبد الكريم قاسم مسايرا للشيوعيين في بادئ الامر، لكنه توصل الى قناعة بان هذه المسايرة ستكلفه كثيرا خصوصا بعد احداث الموصل وكركوك الدموية، والتي اتهم بها الحزب الشيوعي. كما ان الشيوعيين بدأوا برفع شعارات المشاركة في الحكم في مسيراتهم التي كانت تردد (عيني زعيمي عبد الكريمي... الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي)، كان المحيطون بعبد الكريم قاسم في معظمهم من الضباط الوطنيين ذوي الجذور المحافظة، الذين لا يتقبلون الفكر الشيوعي، غير ان عددا اخر منهم كان على العكس من ذلك، يبدي تعاطفا مع الشيوعيين  كالمرافق العقيد وصفي طاهر، وابن خالة الزعيم فاضل المهداوي، الذي تراس محكمة الشعب وجلال الاوقاتي قائد القوة الجوية.
في عام 1961 ساءت العلاقة بين قاسم والشيوعيين. كما اندلع القتال بين الاكراد بزعامة البارزاني والقوات العراقية، بعد ان بدأت بغداد بتطبيق قانون الاصلاح الزراعي في كردستان، قرر الحزب الشيوعي تسليط بعض الضغوط على قاسم.
خرجت مظاهرة في بغداد بمنطقة باب المعظم وحمل المتظاهرون الشيوعيون على ظهورهم (جثة) لاحد الضحايا المفترضين لقوات الشرطة، وقد غطوها بقماش، سار المتظاهرون، وهم يرددون:
اسمع ياشعب 
برصاصهم ضربونا 
احاط رجال الشرطة بالمظاهرة، وبداوا بمضايقة المتظاهرين ثم اقتحموا التظاهرة، القى المتظاهرون الجثة من على ظهورهم، فاذا (بالمرحوم) يركض حاله كحال رفاقه الهاربين. القى رجال الشرطة القبض على (الشهيد)، وتبين انه شخص من اصول ريفية واسمه (شخنوب).
جاءت الحادثة الطريفة كهدية للأطراف المناوئة للشيوعيين، وشكلت مادة دسمة للسخرية والتهكم منهم، وامتلأت الصحف المعادية لهم مثل الثورة والحرية وبغداد والفجر الجديد  بقصص (المرحوم شخنوب)، وذلك من اجل ضرب مصداقية الشيوعيين الذين بدا عبد الكريم قاسم يوسع الهوة بينه وبينهم، وهو ما مكن الجناح الاخر من الاستفراد به والاطاحة بحكمه في شباط 1963، الامر الذي دفع الشاعر الشيوعي الراحل (عريان السيد خلف)، لكي يعاتب قاسم بعد رحيله بعقود، على ترك حلفائه الشيوعيين والتساهل مع القوى التي غدرت به على امل كسبهم واحتوائهم،  قائلا في قصيدة:
منك ماهي منك طب حراميها 
ولعب بيها وخبطها وشرب صافيها 
كلنالك تحذّر ناوراك الذيب 
تاعيت الضواري وأمنت بيها 
ياشاطر غلطتك كلفتنا ارواح 
والغلطة الجبيرة شلون تمحيها 
رحم الله (شخنوب) ذلك العراقي البسيط. وربما كان اولاده واحفاده يقرؤون الان هذه السطور، ويستذكرون امجاد (المرحوم) جدهم.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي